الخطابات السائدة حول الإنتاجات العلمية الكولونيالية في أمريكا اللاتينية

بقلم :رحال بن الصويرة

1

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تشكل العلوم الاجتماعية في المجتمعات ناقصة التحليل أو كما يحلو للتطوريين تسميتها بالمجتمعات المتخلفة, أهمية كبرى في فهم وتفسير البنيات الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. حيث ساهمت مجموعة من الدراسات التي انتتجت حول هاته المجتمعات في بناء مجموعة من الخطابات حولها. حيث ارتبطت هذه المساهمات أساسا بالباحثين الذين ينتمون إلى الدول المستعمِرة مما يجعلها كلها مفاهيم ونظريات تحمل نوع من القصور في الفهم لطبيعة هذه المجتمعات من جهة, ومن جهة ثانية تعتمد على مفاهيم إيديولوجية لا يمكن استخدامها في فهم مجتمعات أمريكا اللاتينية أو على الأقل يمكن القول عنها تحمل نوع من أحكام القيمة والوصم.
مما دفع كثير من الباحثين الذين ينتمون إلى هذه المجتمعات المطالبة بإعادة النظر في كل الإنتاجات التي ثم إنتاجها حول هذه المجتمعات خصوصا وان النماذج النظرية التي ثم استخدامها لا تصلح إلى تفسير هذا الواقع الذي يختلف تماما عن الواقع الذي تعرفه أوروبا.
إن معالجة مشكلة الطبقات الاجتماعية من منظور الطبقات الدنيا والمتوسطة والعليا التي تم بناؤه من الداخل يعتبر مساهمة متميزة في تجاوز التوصيفات التي وصفها علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المستوحاة من العلوم الاجتماعية الاستعمارية وتم تطبيقها على تفسير الظواهر الاجتماعية في أمريكا اللاتينية.
فما انتج من أبحاث ودراسات حول المجتمعات “المتخلفة” يعكس فعلا الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لها. حيث نجد معظم الدراسات تناقش التفاوت الطبقي, الصراع الطبقي, الحركات العمالية, , المقاومة, النظام الفلاحي, النظام التعليمي, التربية, الصراعات السياسية, التنمية…الخ.
كل هذه الثيمات تعكس بحق ما تعرفه مجتمعات أمريكا اللاتينيية من تناقضات, بتعبير آخر هناك ضرورة اجتماعية أو طلب اجتماعي يستدعي تدخل العلوم الاجتماعية في فهم هذه المجتمعات بغض النظر عن الدوافع.
إذا كانت عدد من الدراسات والأبحاث اُستعملت لأغراض سياسية بل ساهمت في تدمير شعوب بأكملها إلا إنها تبقى دراسات ذات أهمية كبرى داخل الحقول العلمية. فهذا النقاش لا يمكن حصره فقط على هذه المجتمعات بل يمكن تطبيقه على جميع المستعمَرات, فالأمر في البرازيل والميكسيك لا يختلف كثيرا عن الوضع في المغرب والجزائر حيث هناك مجموعة من الباحثين الذي يدعون إلى القطيعة مع الإرث الكولونيالي باعتباره اُستخدِم في أغراض غير علمية بل أكثر من ذلك ساهمت في توجيه السياسات الاستعمارية .
يمكن الوقوف عند عدد من النقاط الأساسية والمركزية في فهم الواقع الاجتماعي, الثقافي, السياسي, والاجتماعي بأمريكا اللاتينية, والتي يمكن من خلالها معرفة العلاقة بين إيديولوجية التنمية التي يتم استخدامها من طرف عدد من المنظمات الدولية وتأثيرها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي لسكان هذه المناطق, بالإضافة إلى معرفة كل الإنتاجات الداخلية من طرف باحثين في العلوم الاجتماعية ينتمون إلى هذه المجتمعات, وتصوراتهم حول المجتمع والتنمية وما انتج من أطروحات حول مجتمعاتهم, وكذلك الوقوف عن أهمية هذه الدراسات في إعادة بناء نماذج نظرية قادرة على فهم المجتمع من الداخل.
يمكننا الإجابة عن كل هذه التقاط من خلال التوقف عند كتاب “سبع أطروحات خاطئة عن أمريكا اللاتينية أو كيفية إنهاء الاستعمار في العلوم الإنسانية” لصاحبه Rodolfo Stavenhagen, بالإضافة إلى بعض الدراسات الأخرى. وذلك بالتوقف عند ثلاث محطات أساسية: المحطة الأولى سنناقش فيها الأطروحات الخاطئة حول أمريكا اللاتينية والمحطة الثانية سنعالج فيها الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بأمريكا اللاتينية. وفي المحطة الأخيرة سنناقش فيها إشكالية تجاوز الإنتاجات العلمية حول هذه المجتمعات التي انتتجت من خلفية استعمارية.

سبع أطروحات خاطئة عن أمريكا اللاتينية

تمثل الأطروحات السبعة المغالطات التي تم نشرها حول أمريكا اللاتينية وتعتبر بحق محاولة جادة من Rodolfo Stavenhagen للقطع مع الإرث الكولونيالي وإعادة بناء مفاهيم جديدة قادرة تتماشى وواقع مجتمعات أمريكا اللاتينية بدل تطبيق نماذج جاهزة. فيمكن القول ادن أن الهدم وإعادة البناء هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تجاوز العلوم الاجتماعية الاستعمارية, حيث أن عملية الهدم تتطلب بحق الوقوف عند نتائج الدراسات الكولونيالية والتحقق منها.
بناء على المعطى السابق, يمكننا الوقوف عند سبع أطروحات خاطئة حول أمريكا اللاتينية. تتمثل الأطروحة الأولى في كون أن دول أمريكا اللاتينية مجتمعات مزدوجة أو مركبة؛ بمعنى أنها لا تخضع لنظام اقتصادي واحد وإنما هي مزيج بين الإقطاعية والرأسمالية.
هناك هيكل اجتماعي واقتصادي شبه إقطاعي يشكل أساس المجموعات الاقتصادية والاجتماعية الريعية والمحافظة التي تستوطن على الأراضي وتسخرها لصالحها, وهناك نويات الاقتصاد الرأسمالي حيث تعمل الطبقات الوسطى المغامرة التقدمية الحضرية فرضه .
بيد أن هذا الطرح لا يبرر استخدام مفهوم المجتمع المزدوج أو الثنائي لسببين:
– القطبين الرأسمالي والإقطاعي ينتجان عن عملية تاريخية واحدة.
– العلاقات المتبادلة التي تحتفظ بها المناطق القديمة أو الإقطاعية والمجموعات الحديثة او الرأسمالية فيما بينها تمثل عمل مجتمع عالمي واحد.
إن الأعمال التي انتتجت حول أمريكا اللاتينية كلها تعرضت إلى الانتقاد خصوصا ما يسمى بالعلوم البورجوازية, بل حتى الماركسية الارتودوكسية لم تسلم من هذا الانتقاد نظرا لعدم قدرتها على فهم الواقع المعيشي هناك, وان روادها لم يعملوا على دراسات في هذا الصدد باستثناء jose carlos Mariategui .
فالتقليد الماركسي الذي يمتدح حتمية تطورية مفادها أن المجتمعات ستثور ضد الأنظمة الاستبدادية الرأسمالية والوصول إلى الشيوعية كما يدعي روادها أمرا غير مقبولا, خصوصا وانه لا يمكن حصر تاريخ أمريكا اللاتينية بين الإقطاعية والرأسمالية, بالإضافة إلى ذلك فكرة البورجوازية المركزية والبورجوازية الوطنية يمكن مراجعتها من خلال التيارات التي تولدت في أمريكا اللاتينية.
أن تحرير العلوم الاجتماعية من الوصايا الفكرية للاتجاهات الكلاسيكية الجديدة الليبرالية والوظيفية, لا يمكنه أن يتم دفعة واحدة, ولا يمكن تجاوزها, في الوقت الذي لم تنتجُ فيها أبحاث وطنية نابعة من الداخل.
كما أن فكرة القطيعة مع الإرث الكولونيالي يجب أولا أن تعيد التفكير في عدة مفاهيم من بينها التبعية, الاستعمار الداخلي, تنمية التخلف…الخ على اعتبارها أنها مفاهيم ذات أبعاد إيديولوجية لا يمكن اعتمادها في الوسط العلمي خصوصا وانها تحمل ما يسمى بالوصم الاجتماعي على المجتمعات الناقصة التحليل.

الأطروحة الثانية تتمثل في تقدم أمريكا اللاتينية رهين بنشر المنتوجات الصناعية في المناطق المتخلفة والتقليدية وهي فرضية خاطئة وذلك لمجموعة من الأسباب:
-وصول عدد من السلع الاستهلاكية إلى المناطق المتخلفة ك”كوكا كولا” و معجون الأسنان أدى إلى نشر ثقافة الفقر, حيث أن السكان يجدون انفسهم أمام منتوجات جديدة قابلة للاستهلاك إلا أن قدرتهم الشرائية لا تساعد على ذلك مما يزيد من فقرهم بدل المساهمة في تنمية المناطق المعزولة
– انتشار المنتوجات الصنعية في هذه المناطق أدى إلى منافسة السلع الخارجية إلى السلع المحلية التي كانت تعود بالنفع لسكان المنطقة سواء من خلال تحسين الدخل أو توفير مناصب الشغل, ونتج عنه البروليتاريا الريفية والهجرة الريفية والركود الاقتصادي في بعض المناطق.
– نشر المنتوجات الصناعية في المناطق المتخلفة أدى إلى ظهور طبقة اجتماعية من السماسرة والتجار والاحتكاريين الذين يحتكرون حصة كبيرة من هذه المنتوجات ويسوقونها بالأثمنة التي يريدون وهذا في حد ذاته يزيد من التخلف والفقر في مثل هذه المناطق.
-تتعرض المناطق المتخلفة إلى ما يسمى بقطع الرأسمال. فعندما نتحدث عن الرأسمال فإننا نتحدث عن الشباب الذين لديهم الحد الأدنى من التعليم والذين يهاجرون من المناطق المتخلفة إلى مكان آخر للبحث عن فرصة أفضل, وبالتالي فهذه الحركة الضارة تساهم في التخلف من خلال هجرة الأشخاص الذين من المفترض انهم يشكلون مورد بشري في تنمية المناطق المتخلفة, ويهاجرون إلى مناطق حضرية أخرى التي تعرف على الأقل الحدود الدنيا من الحياة العيش.
بناءً على ما سبق يمكن القول أن الأطروحة الصحيحة هي أن تقدم المناطق الحضرية والصناعية في أمريكا اللاتينية على حساب المناطق المتخلفة والقديمة والتقليدية وذلك من خلال توجيه الرأسمال الموارد المادية والبشرية إلى المناطق الحضرية.
الأطروحة الثالثة تقول أن وجود مناطق ريفية متخلفة يشكل عقبة أمام تكوين السوق الداخلية وتنمية الرأسمالية الوطنية, بمعنى أن الرأسمالية الوطنية لها مصلحة في تحقيق إصلاح الأراضي وتنمية مجتمعات السكان الأصليين وزيادة الحد الأدنى في الأجور, وهي أطروحة خاطئة وذلك لسبب واحد وهو كون أن نمو المناطق الحديثة يكون على حساب استنزاف ثروات المناطق المتخلفة.
يمكن القول اذن أن الاستعمار الداخلي والتوزيع الغير متكافئ للثروات بين المناطق وغياب الحكامة المجالية هي من بين الأسباب التي تؤدي إلى تفشي الفقر والبطالة في هذه المناطق ويمكننا طرح سؤال بسيط حول هذه القضية وهو: أين تتمركز المؤسسات الحكومية, المدارس الكبرى, الجامعات, مقرات الشركات؟ كلها تتمركز في المناطق الحضرية وهذا يشكل بحد ذاته تفاوت مجالي, ويجعل من المناطق المتخلف اكثر تخلفا وفقرا.
أما بالنسبة للأطروحة الرابعة التي تتحدث عن المصالح المتضاربة بين البورجوازية الوطنية و هيمنة الأوليغارشية على الأرض. في الحقيقة انه لا يوجد أي سبب يمنع من انسجام الاوليغارشية مع البورجوازية الوطنية, خصوصا وان هذه الأخيرة تجد في الاوليغارشية حليفا للحفاظ على الاستعمار الداخلي.
أما الأطروحة الخامسة التي ترمي إلى أن تنمية أمريكا اللاتينية رهين بخلق طبقة متوسطة تقدمية ومغامرة فهي أيضا أطروحة خاطئة وذلك على اعتبار أن الطبقة الوسطى لا يمكنها أن تشكل الأغلبية في ظل وجود عدد كبير جدا من الناس يقبعون في مستويات ادنى من الدنيا وطبقة تستولى على عدد كبير من الموارد وتستغل اكثر من الثلثين من الثروات هذا من جهة, ومن جهة ثانية مسألة تحديد الطبقة المتوسطة ليس بالأمر الهين خصوصا وانه لا يوجد مقياس واحد ووحيد لأجرأت هذه الفئة على ارض الواقع.
فالطبقة الحاكمة هي التي تحدد الطبقة المتوسطة والتي تعمل على توجيهها إلى الدفاع عن مصالحها والتصدي إلى الصدمات والمواجهات المحتملة من طرف المقهورين, بمعنى اخر الطبقة المتوسطة لا تلعب دورها المنوط بها كقوة فاعلة ومؤثرة داخل المجتمع وإنما يتم استخدامها في حماية مصالح الطبقة الحاكمة والمستغلة للثروات.
الطبقة المتوسطة تتشكل من أصحاب المزارع الصغيرة والمتوسطة, التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة, ففي الوقت الذي ينتظر فيه أن تعمل الطبقة المتوسطة على استهلاك المنتوجات المحلية كي تساهم في الاقتصاد الداخلي وتوفير المزيد من فرص الشعل تتطلع إلى العادات الاستهلاكية البورجوازية مما يجعلها بعيدة كل البعد عن دورها في التنمية كما هو مشار اليه.
تعزيز الطبقة المتوسطة لم يعد كحقيقة اجتماعية بل كسياسة اجتماعية ليس الهدف منه هو التنمية الاقتصادية للبلد بل إنشاء قوة سياسية قادرة على دعم الطبقة الحاكمة وامتصاص الغضب.
أطروحة الطبقة المتوسطة ليس حلا لهذه المشاكل لأنها تمثل إخفاء التوترات والصراعات والمعارضات بين الطبقات والأعراق.
تشير الأطروحة السادسة إلى مسألة أساسية وهي الاندماج الوطني في أمريكا اللاتينية هو نتاج
تهجين, وهذا ما لا يمكن تحقيقه من خلال تطوير عنصر بيولوجي . فالمشكل لا يكمن في التعدد الثقافي أو الاثني وإنما في الاستعمار الداخلي بالأساس.
الأطروحة الأخيرة التي توضح أن التقدم في أمريكا لن يتحقق الا من خلال تحالف العمال والفلاحين, في الحقيقة هذا التحالف لا يمكنه أن يكون لانه يعكس فئتين مختلفتين من حيث المصالح.
فإصلاح الأراضي هو احدى الخطوات الأساسية في أي ثورة ديموقراطية لكن حصول الفلاحين على الأرض من خلال الإصلاح الجماعي للأراضي يجعلهم يتشابهون في المصالح مع ملاك الأرض.
بالإضافة إلى أن المصالح الموضوعية للفلاحين والعمال في إصلاح الأراضي ليست هي نفسها؛ لان هذا الإصلاح سينتج عنه زيادة في أسعار المواد الغذائية في المدن مما سيؤثر بشكل مباشر على الطبقة العاملة.
وبالتالي فالطبقة المستفيدة من الاستعمار الداخلي هي الطبقة العاملة, ومنه فان المشكل يكمن أساسا في الاستعمار الداخلي وليس اتحاد الطبقتين من اجل تشكل تنمية في هذه البلدان.
بناءً على ما سبق يمكن القول أن هذه الأطروحات السبع لا تستنفذ جميع النظريات والمفاهيم الخاطئة المتعلقة بالبنية الاجتماعية في أمريكا اللاتينية, لكنها على الأقل ترتبط بها. ويمكن القول كذلك أن الواقع الاجتماعي والسوسيولوجي في أمريكا اللاتينية لا يختلف كثيرا على ما تعرفه المستعمرات الفرنسية بأفريقيا خصوصا المغرب والجزائر حيث نلاحظ قيام عدد من الباحثين في العلوم الاجتماعية بمحاولة القطع مع الإرث الكولونيالي أو على الأقل تنقيحه كما قام بذلك عبد الكبير الخطيبي وأخرون.
الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي بأمريكا اللاتينية

ثمة ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية ساهمت بشكل أو أخر في الوصول إلى ما وصلت اليه أمريكا اللاتينية أو ما كانت عليه. فلا يمكن تفسير الوضع الاجتماعي والثقافي في مثل هذه المجتمعات إلى تفسيرات اقتصادية كما يزعم الماركسيون, ولا يمكن أن يكون هذا الوضع لشروط موضوعية تفرضها الموارد الطبيعية وإنما هو تداخل بين ما هو اقتصادي وسياسي وثقافي.
لا يمكن النظر إلى التخلف في أمريكا اللاتينية على انه تخلف مقارنة مع المجتمعات الصناعية, بل أن التخلف ناتج عن استمرار الاستعمار الداخلي من طرف المستثمرين في البلد, حيث يعملون أصحاب السلط على استنزاف الثروات وخيرات البلاد ويسخرونها لحساباتهم, ويخلقون بذلك مجتمع يعيش على الفقر ليس نتيجة استعمار خارجي وإنما نتيجة استعمار داخلي.
يشير الوضع الديموغرافي لأمريكا اللاتينية إلى تزايد نسبة التزايد السكاني بنسبة 125% مقارنة بسنة 1970 يعني أن خلال ثلاثين سنة ستعرف أمريكا اللاتينية تزايدا سكانيا كبيرا مما سيزيد من المعاناة والفقر. حيث سينجم عن هذا التزايد البطالة مما سيدفع الحاكمين إلى التفكير في طرق معينة لزيادة في فرص العمل, ثم سيطرح إشكال التغذية بمعنى أن على الدولة أن توفر لهم حاجياتهم الغذائية, ثم سينجم عن ذلك معدلات كبيرة من الهجرة نحو المدن, بالإضافة إلى ضرورة التحسين من جودة خدمات الصحة والتعليم والطرق…الخ.
لفهم واقع أمريكا اللاتينية بعيدا عن التوقعات يجب الوقوف اولا عند الاختلالات البنيوية الموجودة في اكثر القطاعات تشغيلا وحيوية وهو القطاع الزراعي حيث يشغل اكثر من 46% من سكان المنطقة.
من ين السياسيات التي تم فرضها كألية لمحاربة الفقر أو على الأقل التحسين من الظروف المعيشية لعدد من السكان هي سياسية الإصلاح الزراعي أو ما يسمى بإصلاح الأراضي, والذي يرمي إلى توزيع الأراضي, وكانت المكسيك السباقة لهذه السياسية من خلال توزيع 60 مليون هكتار خلال خمسين سنة لفائدة مليون ونصف فلاح.
بالرغم ما تعرضت له من انتقادات حول ما مدى أهميتها إلا أن تم فرضها في عدد من الدول ويمكن أن نستحضر نموذج كوبا.
فقد اكتمل الإصلاح الزراعي في كوبا عام 1963 مخلفا وراءه أكثر من 100 الف مالك جديد مستقل, وواضعا 60 في المائة من الأراضي في الملكية العامة. بين تزايد وانخفاض في الإنتاج بعد وقبل الثورة ثم طرح مشكل آخر وهو الأمية, فبالرغم من تقديم الأراضي إلى عدد من الناس إلا انهم لا يعرفون كيفية الاستثمار فيها أو على الأقل الاشتغال عليها بطريقة عقلانية تزيد من الإنتاجية, فحتى الآلات التي يستخدمونها حينما تتعرض لعطب لا يستطيعون إصلاحها, مما دفع المسؤولين إلى التركيز على التعليم أولا.
مع حلول السبعينات تم محو الأمية تقريبا من خلال تعبئة قومية, حيث أصبحت المدارس الابتدائية تخرج من التلاميذ اربع أضعاف ما كانت تخرجه عند قيام الثورة. من خلال هذا الإصلاح ستتحسن الظروف الاجتماعية وسيصبح التعامل مع الإنتاج الفلاحي بوعي كامل واستعمال ألات جديدة.
بناء على ما سبق يمكن القول أن التنمية المعتمدة تساهم في إفقار الطبقات الضعيفة وتقوية الطبقات الحاكمة, لأنها تعتمد على استراتيجيات خارجية من بين هذه الاستراتيجيات هي الاعتماد على إعانات ومساعدات دولية التي غالبا ما تكون وراءها غايات أخرى.
المساعدات الدولية للمجتمعات المتخلفة لا تساهم في إخراجها من دائرة الفقر بل تزيد من فقرها وتعميق التفاوتات الطبقية, حيث أن الدولة تجد نفسها أمام كم هائل من الديون وهذا يجعلها تعتمد سياسات لا تخدم مصلحة العامة ويزيد من تأزم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين. ومنه يمكن أن نستشف أن كلما تدفق الرأسمال الأجنبي كلما انخفض معدل النمو الوطني. حيث أن الاستثمارات الخارجية تنافس الاستثمارات الداخلية مما يجعل أن الأرباح التي تحققها الشركات الأجنبية لا تستفيد منها الدولة على عكس الاستثمارات الداخلية.
بالإضافة إلى مشاكل داخلية تتمثل أساسا بالاستثمار الداخلي الذي يؤدي إلى تفاوتات اقتصادية واجتماعية الموجودة داخل البلد من خلال تدعيم مناطق ديناميكية دون أخرى مثال الشمال الشرقي البائس مقارنة بالجنوب الشرقي الصناعي بالبرازيل.
كل ما تعيشه أمريكا اللاتينية من تجاوزات ومظاهر الفقر والبؤس والحرمان لا يمكنه أن يستمر دون وجود مقاومة من طرف حركات شعبية سواء كانت فلاحية أو عمالية, حيث أن هذه الحركات تعكس في حقيقة الأمر الأوضاع المزرية التي يعيشها الناس في البلدان ” المتخلفة” حيث يصبح النضال سمة من سمات هذه المجتمعات.
ظهور الحركات الشعبية في مواجهة الاوليغارشية التقليدية والبورجوازية والأنظمة العسكرية كان وفق توجهين مختلفين:
التوجه الأول يمثله اولائك الذين يسعون إلى مشاركة الناس في الأنظمة القائمة والعمل على الإصلاح بدل الثورة, والتوجه الثاني الذي يطالب بتغيير جذري ويركز على الثورة بدل الإصلاح.
من بين اهم صور النضال والثورة التي عرفتها أمريكا اللاتينية الثورة الكوبية التي كانت تعكس بحق الصراعات العالمية بين الإمبريالية الأمريكية والاتحاد السوفياتي في الأراضي الكوبية, حيث يحاول كل واحد من الدول المسيطرة على الدفاع عن مصالحه في كوبا وهذا ما جعل هذه الدولة تعرف مجموعة من الثورات.
يمكن الحديث في هذا الصدد على مجموعة من الثوار المعروفين عبر التاريخ المقاومين لكل إشكال الظلم والاستبداد التي تتعرض اليه شعوب أمريكا اللاتينية ولعل اشهرهم “جيفارا” و كذلك “فيكتور خارا” و “كاسترو” قائد الثورة الكوبية.
يمكن القول إذن أن مستقبل الحركة الثورية لا يعتمد فقط على توازن القوى داخل كل دولة بل يعتمد كذلك على الوضع الدولي لأنه يؤثر بحق على كل السياسات الداخلية التي تعرفها الدول الضعيفة.
بناء على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لأمريكا اللاتينية يمكن القول أن مؤشرات التنمية لا يمكن ربطها بالسياسات الخارجية أو الإعانات الدولية ولا حتى الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات كحلول اقتصادية في البلدان النامية. بل يجب أن يكون هناك وعي اجتماعي لما تعرفه المجتمعات من تخلف, ويجب محاربة الأمية بدرجة أولى, بدل إدخال احدث التقنيات الجديدة دون معرفة كيفية تركيبها أو على الأقل استخدامها.
يعتبر مشروع “باولو فريري” في كتابه تربية المقهورين مشروعا أصيلا ومتميزا خصوصا وانه يعالج إشكالية التعليم في هذه المجتمعات التي تعمل على النقل بدل تنمية التحليل النقدي والمنطقي لدى متعلميها أو ما يسميه بالتعليم البنكي, حيث يتم تقديم مجموعة من الأفكار لمتعلمين ويتم في النهاية مطالبتهم باسترجاعها بدون زيادة أو نقصان.
في ذات السياق لا يمكن الحديث عن تنمية دون وجود مشاركة اجتماعية لكل الفاعلين كما هو الأمر بالنسبة للتجربة الكوبية التي عمل المسؤولين بمشاركة جميع الفاعلين داخل المجتمع من الجل الحصول على تنمية اجتماعية واقتصادية وثقافية بشكل تشاركي مع مراعات رهانات كل الفاعلين.
تفيد المشاركة الاجتماعية في معرفة مجموعة المصالح ومجموعة الضغط وهذا ما يمكنه أن يشكل تشخيصا أوليا لمعرفة الكيفية التي يمكن من خلالها التقاء المصالح وخدمة المجتمع بدل نهب ثرواته لصالح فئة اجتماعية واحدة.
عندما نتحدث عن التنمية فإننا لا نتحدث عن تنمية اقتصادية فقط بل نتحدث عن تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية كذلك, فالتنمية الاقتصادية لوحدها تزيد من التفاوتات لا تقليلها, وذلك من خلال غياب العدالة المجالية وتسخير الاستثمارات الكبرى للمناطق الحضرية على حساب المناطق الغير حضرية, واستخدام مواردها الطبيعية والبشرية لتنمية المدينة والزيادة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المتخلفة.
يمكن القول إذن كيف تنظم المجموعات الاجتماعية المختلفة نفسها للدفاع عن مصالحها والرفع من مطالبها الاجتماعية والسياسية؟
ماهي مستويات هذه المشاركة؟
ما هي المجموعات المركزية في التنمية وما هي إمكانيتها في المشاركة؟

كيفية إنهاء استعمار العلوم الاجتماعية التطبيقية

إن السؤال الأساسي والمركزي الذي يمكن تقديمه منذ البداية؛ اذا كانت الدراسات التي اُنتجت حول المجتمعات المستعمرة (بفتح الميم) من طرف الباحثين الذين يقال عنهم مسخرين من طرف جهات معينة, دراسات علمية وواقعية تعالج وتبين ما تعيشه المجتمعات, وطرق تفكيرها, وبنياتها الاجتماعية, السياسية, والثقافية فلماذا يتم وصفها بالعلوم البورجوازية مع العلم أن لا احد يعلم كيف يمكن استخدام هذه العلوم ومن سيستخدمها؟
من جهة ثانية كثير من الأبحاث السوسيولوجية والأنثروبولوجية تم استخدامها من اجل زعزعة وخلخلة أنظمة اجتماعية في دول متعددة, إلى أن لا يتم وصمها أو على الأقل التقليل من شأنها, لأنها بكل بساطة تدافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للسكان.
لكن من خلال هذه المقارنة يمكن القول أن العلوم الاجتماعية بشكل عام لا يجب إرجاعها إلى منطق واحد بل يجب مراعاة كل الجوانب حتى يتسنى لنا معرفة الغاية من العلوم الاجتماعية هل هي غاية تدخلية لصالح أو ضد الأنظمة, أو الغاية منها هي القيام بدراسات علمية دون التدخل أو توجيهها لاستخدامات محددة.
ارتباط الأنثروبولوجيا بالإمبريالية ومساهمتها في استعمار البلدان لا يمكن التشكيك فيه, خصوصا وان اكثر الدراسات الأنثروبولوجيا أهمية هي تلك التي انتتجت خلال هذه الفترة.
لكن لا يمكن اعتبار الباحثين مسؤولين لانهم لا يتحكمون في الدراسات التي يقومون بها ولا يمكنهم معرفة الأثار التي يمكن أن تنجم عن أعمالهم.
هناك باحثين “أبرياء” اولائك الذين يدفعهم شغف البحث والمعرفة عن تقاليد وأعراف المجتمعات يبحثون عن بنياتهم وثقافتهم ورموزهم وهم لا يعلمون في أي شق سيتم استغلال أبحاثهم إلا أن نياتهم تكون صوب البحث العلمي بالدرجة الأولى.
يمكن تشبيه علماء الاجتماع الذين يشاركون في أبحاث لها وقع على البشرية كالأطباء الذين جربوا على خنازير غنيا البشرية, يعلمون الأثار التي يمكن أن تترتب على ذلك الفعل إلا انهم لا يبالون وهو ما يخالف الأخلاق العامة للبحث العلمي.
يمكن أن نذكر في هذا الصدد دراسة روبيرت مونطان التي قام بها بالمغرب والتي كانت دراسة متميزة وأصيلة من حيث العلمية إلا أنها استخدمت في أغراض غير علمية وهي توجيه السياسية الاستعمارية بالمغرب من خلال الظهير البربري لسنة 1930.
بالرغم من ذلك لم تفقد هذه الدراسة أهميتها داخل الحقل السوسيولوجي بالمغرب بل اعتبرت من بين اهم الدراسات السوسيولوجية والانتربولوجية التي انتجت خلال الفترة الاستعمارية وذلك بشهادة كل من اندري ادم وعبد الصماد الديالمي وعبد الكبير الخطيبي.
بناءً على ما سبق يمكن القول أن الكيفية التي يتم بها تقديم الأبحاث والدراسات واللغة التي تكتب بها والمفاهيم المستعملة تشير إلى إنها موجهة إلى فئة اجتماعية دون أخرى, فالفلاح والعامل والتاجر لا يمكنه أن يستوعب مفاهيم علمية وعلاقات اقتصادية معينة الا اذا تم تقديمها بطريقة بسيطة وواضحة, يمكن لكل شخص أن يطلع عليها. ولعل هذا ما يجب أن يكون خصوصا فيما يتعلق بالكتابات والدراسات الموجودة على أمريكا اللاتينية.
يقول صاحب كتاب تعليم المقهورين ” إن يقظة الحس النقدي تؤدي بالضرورة إلى إظهار الرفض الجماعي لان ما يرفضونه هو اثر من اثار القهر الذي يعيشونه.”
فتبسيط المفاهيم والتعليم يجعلان من الناس يعون جيدا حقوقهم ويعرفون واقعهم اكثر فاكثر, فوظيفة العلوم الاجتماعية هي قراءة المجتمع وفك رموزه وتبسيطها وتقديمها لعامة الناس وليس لنخبة التي تجيد القراءة والكتابة.
يمكن التوقف عند هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره محاولة جادة من صاحبه للانتقال من التعليم البنكي إلى التعليم الحواري الذي يغدي ملكة النقد بدل النقل ويحاول من خلاله نشر الوعي لدى الطبقات المحرومة. فالثورة بهذا المفهوم ليست منحة يقدمها القادة للأفراد أن لم يبداوا بتحرير انفسهم فلن يمكن للقادة أن تحررهم. فالتحرير يبدأ بالتعلم والوعي أولا حتى يتسنى للأفراد التحرر بذواتهم. فعندما يعي المقهورين ما يمارسه عليهم القاهرين من قهر, يحاولون تحرير انفسهم من هذا القهر ويستبعدونه من دوائرهم حتى لا يعاد إنتاجه داخله.
فالطبقات المقهورة والغير واعية تحاول أن تخرج من القهر الممارس عليها بكل الطرق فقط لتعيد ممارسة القهر التي كان يمارس عليهم من طرف قاهريهم وهذا لا يزيد إلا من معاناة المجتمعات المقهورة.
هكذا إذن يمكن القول أن الأعمال الاجتماعية تكتسي أهمية كبرى في فهم وتحليل وتفسير البنيات الاجتماعية, بل تساهم أيضا في نشر الوعي الحقيقي بدون ايديولوجيات موجهة, فقط اذا تم استخدامها بالطرق الصحيحة بعيدا عن الأغراض السياسية التي تضر بالشعوب, وبالتالي فعلى الباحثين في العلوم الاجتماعية الولوج إلى الميدان والتكثيف من أبحاثهم مع مراعاة الكيفية التي يمكن استخدامها بها.

خلاصة عامة

إن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في مجتمعات أمريكا اللاتينية يعكس بحق الكتابات التي تم كتابتها في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا, سواء تلك التي تم كتابتها من طرف الباحثين الذين ينتمون إلى البلدان المستعمرة(بكسر الميم) أو تلك التي تم كتابتها من طرف الباحثين الذين ينتمون إلى المجتمع نفسه.
الحركات الاحتجاجية والثورات حرب العصابات وغيرها من الأحداث التي عرفتها دول أمريكا اللاتينية كانت تعكس المقاومة الاجتماعية لدى الفئات الاجتماعية الكبيرة التي تعيش نوع من القهر داخل هذا المجتمع هذا من جهة, من جهة ثانية تعتبر دول أمريكا اللاتينية حلبة صراع بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا خلال تلك الفترة وهذا واضح من خلال الصراعات القائمة بين ممثلي أمريكا والاتحاد السوفياتي داخل كل بلد من بلدان أمريكا اللاتينية.
حقيقة تجاوز الإرث الكولونيالي في هذه المجتمعات لا يمكنها أن تتم إلا من خلال وجود عدد من الدراسات والأبحاث التي يحاول من خلالها الباحثين الهدم وإعادة البناء بمعنى أكثر تفصيل القطع مع كل الأطروحات الخاطئة التي تم كتابتها حول أمريكا اللاتينية وإعادة التفكير فيها مع القطع مع كل المفاهيم الخاطئة والنماذج النظرية التي تم تطبيقها.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليق 1
  1. رضا يقول

    سلمت الانامل التي كتبت هذا المقال الهائل الذي كان في منتهى الروعة والإبداع والفائدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.