يُعتبر إيفان إليش واحدا من أكثر المنظرين التربويين إثارة للجدل، فقد عُرف بحملاته النقدية على التنمية الاقتصادية الحديثة التي يعتقد أنها حرمت الناس مما كانوا يتمتعون به من الاكتفاء الذاتي فيما مضي. يُشكك إليش بسلامة التعليم الإلزامي الشامل المطلق اليوم في اكثر أنحاء العالم، ويُعتبر المغرب من الدول التي تعرف مشاكل كثيرة في النظام التعليمي.
إن النظام التعليمي المغربي اليوم، يطرح عدة إشكالات: اجتماعية، اقتصادية وتربوية وذلك من خلال البرامج المعلنة والإستراتيجيات الخفية، وفي ذات السياق يرى إليش أن مدارس اليوم، تؤدي أربعة أدوار رئيسية هي:
1.تقديم الرعاية التأديبية { ما يجب ان يكون، الانسان المثالي}
2.توزيع الناس وفق أدوار مهنية محددة {المهن الشعبية أو المهن الهامشية}
3.تعليم القيم المهيمنة { التصالح مع التفاوت الطبقي، القدرية، الحتمية الاجتماعية والاقتصادية}
4.اكتساب المعارف والمهارات المقبولة اجتماعيا { تدخل العامل الديني في الاختيارات والتوجهات العامة}.
تُركز المدرسة المغربية في الوقت الراهن على الاستهلاك السلبي؛ أي القبول الطوعي الخانع بالنظام الاجتماعي القائم. إن المنهج الدراسي الخبيء يُعلم الأطفال فكرة واحدة وبأساليب مختلفة وهي:” ان يعرفوا مكانهم ويُلزموه”. مما لا شك فيه أن المدرسة المغربية كانت تُقدم إضافة نوعية الى المتمدرسين سواء من حيث الكم أو الكيف، خصوصا في المرحلة ما بعد الاستعمارية، كانت سوق الشغل تعرف خصاصا مهولا من حيث الولوج الى الوظيفة العمومية مما ساهم في الحصول العديد من المتمدرسين على وظائف عالية المستوى، لكن هذا لا يعني ن المدرسة خلال هذه الفترة كانت مدرسة عادلة، فالسياق الاجتماعي، خصوصا خلال هذه الفترة، يوضح أن أبناء الاعيان وحدهم من يستفيدون من التعليم العمومي نظرا لتوفرهم على الإمكانيات اللازمة لذلك، في حين أن أبناء الطبقة الفقيرة تائهون في رحلة البحث عن “الخبز”.
تُوضح الدراسات الرسمية الصادرة عن المجلس الأعلى للتعليم أن النظام التعليمي بالمغرب بالرغم من كل البرامج والإستراتيجيات لم يحقق أي نتائج إيجابية في ذلك، مستوى القراءة لدى التلاميذ في المستوى السادس ابتدائي والثالثة اعدادي متدنِ، المهارات التواصلية شبه منعدمة، صعوبات في الكتابة، مشاكل في الفهم وغيرها من الخلاصات التي تبين بالملموس الواقع الهش للنظام التعليمي بالمغرب. إن المنظومة التربية بالرغم من كل ما سبق لا يمكن وضعها بعيدا عن التصور السياسي العام، المدرسة المغربية تعتبر مختبرا اجتماعيا يتم فيه اختبار اليات الضبط والهيمنة على الفئات الفقيرة وتوجيهها الى أدوار مهنية محددة، المدرسة تعمل على الاقصاء بطرق مباشرة وغير مباشرة وهذا ما لا يمكن التصريح به بطريقة واضحة.
تلعب المدرسة المغربية دور المراقب الأخلاقي أو بتعبير اخر تمارس عنفا رمزيا على أبناء الطبقات الفقيرة من خلال وضعهم في أقسام تعليمية وإقناعهم أن المدرسة هي السبيل الوحيد للخروج من مصيدة الفقر. حيث يمضون سنوات من التعليم دون أن يستطيعوا بلوغ قدرات ومهارات تواصلية وعملية تخول لهم تحسين ظروفهم المعيشية. ويعود ذلك بالأساس الى التعليم البنكي الذي تعتمد عليه المدرسة المغربية.
يعتبر التلميذ خزان للمعلومات يمكن إخراجها عند الاختبار، وبذلك يُصبح التلميذ يركز على الحفظ اكثر من الفهم والتلقي اكثر من النقد والخضوع اكثر من التمرد، إن التعليم البنكي يُفقد الموهبة ويضعف القدرات والمهارات ويحد من حرية التفكير والتأويل، وهذه أبرز سماته:
_الأستاذ يعرف والطلبة يتلقون.
-الأستاذ يعرف كل شيء والطلبة لا يعرفون.
-الأستاذ يفكر والطلبة لا يفكرون.
-الأستاذ يختار البرنامج والمحتوى والطالب يتكيف مع الاختيار.
-لأستاذ هو قوام العملية التعليمية والطالب نتيجتها.
في ضوء ذلك ليس من المستغرب أن يُعتبر التعليم البنكي للتلامذة كائنات متأقلمة وسهلة القياد، وأن التلامذة عبارة عن مخازن المعلومات. المعلومات التي يكون مصدرها المُلقي والعارف وصاحب الاختيار، يمكن تشبيه العلاقة بين التلامذة والملقي بعلاقة الفقيه بالمصلين لا يمكن التشكيك في معرفته وفتواه، إنه العارف بالله وحدوده، وبالتالي فالمؤمن هو الذي يعمل على تطبيق الفتأوي ونقلها دون اخضاعها لمنطق الانتقاد، ومنه فالتلميذ في التعليم البنكي يمكن اعتباره تلميذا متميزا في حالة قدرته على استحضار اكبر قدر ممكن من المعلومات التي تلقاها وفي الوقت المناسب بغض النظر على اهميتها في مسار حياته التعليمي أو المهني.
إن الدور السلبي الذي يرتبط بالتلامذة والطلبة في العملية التعلمية يحد من حرية اختياراتهم وتفكيرهم، بل اكثر من ذلك، يساهم بشكل كبير في وضع سقف توقعات لا يتعدى الحدود الجغرافية والمعرفية التي تحيط بهم، يعتقدون أنهم عاجزون، غير قادرون على بلوغ مناصب مهمة وبلوغ مناصب القيادة والريادة، في تصريح واضع على الحدود الذي وضعتها المدرسة من خلال مناهجها واستراتيجيتها في عقولهم، إن التصنيفات الموجودة بالوسط المدرسي {كسول، مجتهد، متخلق، غبي، مشاغب…} لا يمكن ان تكون سوى تصنيفات نمطية تربط المدرسة بالضبط الاجتماعي اكثر من سقل المواهب وتطوير القدرات وتعزيزها.

أصبح جليا، وظيفة المدرسة اليوم في جل المجتمعات والمدرسة المغربية على وجه الخصوص تعمل على خلق جيل من الضباع حسب تعبير الأستاذ محمد كسوس في تعبير واضح على الوظائف الخفية للمدرسة وإيديولوجية التعليم. لا يمكن أن تكون المدرسة مكانا للتربية “تُنتج الاخلاق” مادام أنها تهتم بالتعليم. جون جاك روسو لم يكن مخطئا حينما قال ” علينا ان نختار بين صناعة الانسان أو صناعة المواطن لا يمكن صنعهما معا”.

ختاما يمكن القول، إن النظام التعليمي يحتاج الى تجديد مناهجه واستراتيجياته في ظل تعدد وسائل الحصول المعرفة والتعلم، فمن المؤسف جدا أن تنميط أحلام الأطفال بين الجدران، وان تمارس في حقهم مراقبة أخلاقية دون الأخذ بعين الاعتبار احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، وأن يتم تقييم النجاح أو الفشل بناء على قدرة التلامذة في استرجاع المعارف السابقة. من الواضح جدا ان العنف الرمزي الذي يتعرض له المتعلمين في الوسط المدرسي يتجاوز حدود الحضور أو الغياب وكذلك التلقي الى أفكار اجتماعية خاطئة حول ان لا حياة بدون مدرسة. أعتقد أن في الوقت الراهن يجب التفكير وبشكل جدي في مجتمعات بدون مدارس، يجب أن نفرغ المدرسة من محتواها الأيديولوجي والسياسي، وتوفير هامش من الحرية لكل الذين يرون في المدرسة ألية للضبط والهيمنة.
المراجع
انتوني غيذنز، (2005)، علم الاجتماع، (فايز الصياغ، المترجم(. بيروت، لبنان، المنظمة العربية للترجمة، الصفحة 359
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2019). البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات لتلامذة السنة السادسة ابتدائي والسنة الثالثة اعدادي، ص ص 48_49PNEA-2019.
بورديو، ب.، & باسرون، ج. ك. (1990). إعادة الإنتاج في التعليم والمجتمع والثقافة. (ت. م. وهاب، ترجمة). بيروت: المنظمة العربية للترجمة. ص 105
فرير، ب. (2017). تعليم المقهورين: التعليم البنكي كأداة الاستعباد. (ترجمة: علي الجندي). بيروت، لبنان: دار الساقي.
سارتر، ج. ب. (2019). إميل والتربية (ع. ف. خوري، الترجمة). الرياض، المملكة العربية السعودية: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
