يقال أن الحب أوطان والأوطان حب، وفي موطني استقر حبي لمدينتي ولأسرتي، في عالم قاس أضاء طفلي طريقي، وطفلتي هي منارتي، رغم العدوان على غزة، رغم الاستوطان تمسكنا بما هو أقوى من كل الحروب ، تمسكنا بالإيمان لكنهم تمسكوا بالطغيان، وفي صباح لا يوحي بأي شيء جديد تجددت معاهدة الدمار، وفي سماء غزة لمحت جسم متجها نحو حيي، وبسرعتي الضئيلة أمام سرعته حاولت مجارته، لعلي أسبقه فأنقد منارتي وإضائتي، ثم صوت مدوي في الأجواء، لم يكن صوت الانفجار أقوى من صراخ الأطفال والنساء، ولا انهيار المنازل أقسى من انهيار الرجال، لكن هناك أمل في أن أسرتي لن تنهار، نعم سأجدهم حتما متمسكين ببعضهم كالإيمان، أثق في أن زوجتي أشد من العدوان…ثم انقطع الصوت والآمان، فلا الشارع كشارعي ولا منزلي كمنزلي، لم يكن هناك سوى دمار، دماء وحجار، ومن يهتم فأسرتي أقوى من العدوان، سأنقدهم ونتمسك ببعضنا كالأوطان، لن أحتاج لمجرفة فأضافري وحدها كافية أمام كل الركام، انقلع ظفر ثم ظفرين ومن يهتم…نزفت أصابعي ثم يدي…ومن يهتم، ألم فقدان عضو لا يضاهي ألم الفقدان، مهلا إنها لعبة طفلي التي لا ينفك يحملها، اذا هنا يقبع طفلي، أزحت كل الحجار ومن تحتهم لمحت يده الصغير، أخرجته بصعوبة، لابد أنه فاقد للوعي من الصدمة، بعض الدماء على وجهه لكنه حتما جرح صغير…إذا لما لا يتنفس، لم أسمع يوم أن فاقدا للوعي لا يتنفس، لكن ليس لدي وقت للتفكير، يجب أن أنقد زوجتي وطفلتي، سأترك طفلي بجانب الركام، ثم عدت إلى إزاحة الحجار، إنه شعر زوجتي، أخرجتها فإذا هي أيضا فاقدة للوعي دون نبضات قلب، لم أسمع أن هناك فاقد للوعي لا ينبض قلبه، لكن ليس أمامي اليوم بطوله يجب أن أنقذ طفلتي، حفرت وحفرت، حفرت بقلبي ودمائي وأظافري، وأخيرا وجه طفلتي الملائكي يطل من تحت الدمار، أخرجتها وكمثل أمها وأخيها فاقدة للوعي لكن دون نصفها السفلي، وللأسف لم أعرف أن هناك فاقد للوعي دون نصف جسده، حملتها نحو أسرتها وضعتها جنبا إلى جنب، قلت استيقظو فوالدكم هنا، لا خوف عليكم من الطغيان، لم يجب أحدهم، لعل الصدمة هائلة، أتممت كلامي، استيقظوا فنحن أقوى من العدوان…استيقظوا فحبنا إيمان، لا شيء يسقط أمام الإيمان، لكن يد تلمس كتفي، يد رجل غريب وبصوت منهار قال لي استيقظ فأسرتك انتقلت إلى دار الغفران، أجبته ساخرا أولم تسمع بفقدان للوعي دون نفس ونبض وجسم إنها ظاهرة الأول من نوعها لكنها ليست مستحيلة قال استيقظ…عظم الله أجرك وزادك صبرا وإيمان ، وهنا أضحى الصمت صاخبا أكثر من الإنفجار، لا يمكن للمرء أن يفقد أهله في لحظات أليس كذلك، العالم قاس لكن ليس بهذه القسوة أليس كذلك، وهنا تحدث عقلي قائلا استيقظ فهذه هي حياة الاستوطان، شلت حركتي وفقدت صوتي بعد أظافري وياله من فقدان، مسحت وجهي بدماء عائلتي لعلي أشفي حريق الخذلان، ومازادني الأمر إلا حقدا وفي قلبي لهيب، وضعت تراب منزلي على رأسي عزاءا وما لي من عزاء سوى الانتقام، فبكيت غدرا، بكيت ظلما وما لماء العين قدرة على إطفاء الغليل، لكن أدركت في لحظة أن الله لم يسلب روحي إلا لغرض معين، للمقاومة، وللإنقاذ، انقاذ أطفال أشخاص آخرين رغم ما ابتلاني من فقدان، سأتخلى أن حياتي السابقة وأضحي بحياتي اللاحقة من أجل خلق الآمان، فالأشخاص الذي لا يستطيعون التخلي عن أي شيء لا يمكنهم صنع التغيير والسلام، يخسر المرء فقط عندما يتوقف عن القتال، ومادمت سأستمر في القتال فأنا لم ولن أهزم، وسأبقى دوما شامخا كالأوطان قويا كالإيمان.
احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.
القادم بوست
