“وديع دادا” 19 عامًا من العطاء تنتهي بالاستقالة.. حينما تُحاصر المهنِيَّة بأسيجة المحسوبية
في خامس فبراير 2025، وضع الصحافي المخضرم وديع دادا نهايةً لـ19 عاماً من العمل في القناة الثانية المغربية “دوزيم”، بعد استقالةٍ أثارت جدلاً واسعاً حول طبيعة الصراع بين الكفاءة المهنية وأنظمة الفساد الإداري. جاء القرار تتويجاً لشهور من التصعيد، بدأت بإيقافه عن مهامه كرئيس تحرير ومُقدم نشرات إخبارية بحجة “تعارض المصالح”، وهي تهمة نفتها النقابة الوطنية للصحافة، مؤكدةً أن القرار انتقامي بسبب تأسيسه تنسيقية نقابية تطالب بحقوق العاملين.
لم تكن الإدارة تتحرك في فراغ. فخلف الاتهامات الموجهة لدادا، تكشف مصادر داخلية عن ازدواجية معايير صارخة: صحفيون آخرون، مثل صامد غيلان و سميرة البلوي، مارسوا أنشطة مماثلة دون عقاب، بينما تحول دادا إلى “هدف” بسبب مطالبته بتطبيق القانون على مدير الأخبار حميد ساعدني، الذي تجاوز سن التقاعد القانوني وبقي في منصبه عبر تمديدات استثنائية، في خطوة رأى مراقبون أنها تعكس تحول القناة إلى “إقطاعية” يُحاسب فيها الولاء قبل الكفاءة.
الاستقالة لم تكن مفاجئة. فقبل أشهر، بدأت ملامح الحرب الخفية تطفو على السطح: مراقبة دائمة، ومنع من الظهور على الشاشة، وتهميش متعمد لمهامه. حاول دادا فتح قنوات حوار، لكنه وجد أبواب الإدارة “مغلقة بالأسمنت المسلح”، كما وصفها. في المقابل، اختار تاريخ استقالته ليتزامن مع يوم ارتدى فيه زملاؤه “الشارة الحمراء” تضامناً مع إضراب الاتحاد المغربي للشغل، في إشارة إلى رفض الصمت على سياسات التسيب التي حوّلت القناة – وفقاً لشهادات موظفين – إلى “بيئة موبوءة” تُهمَّش فيها الطاقات المهنية لصالح المحسوبيات.
التداعيات تجاوزت جدران المؤسسة الإعلامية. في البرلمان، طالب نواب بتحقيقات عاجلة في انتهاكات الإدارة، مستندين إلى مواد دستورية تُجرّم التضييق على الحريات النقابية. أما في الشارع، فانقسم الرأي بين مُشيد بـ”شجاعة” دادا في كسر جدار الصمت، وآخرين رأوا في الاستقالة دليلاً على انهيار متواصل لمصداقية الإعلام العمومي. المشهد يعيد إلى الأذهان رحيل أسماء لامعة سابقة مثل فتيحة أحباباز و مريم الفراجي ، الذين غادروا القناة تحت وطأة ما يُوصف بـ”نيران صديقة”، في إطار نمط متكرر من إقصاء كل من يرفض الانصياع لـ”قواعد اللعبة”.
وراء كل هذه التفاصيل، يبقى السؤال الأكبر: كيف لمؤسسة إعلامية أن تؤدي دورها كمرفق عمومي بينما تُدار بمنطق الولاءات الضيقة؟ استقالة دادا، رغم مرارتها، قد تكون جرس إنذار أخيراً لإنقاذ ما تبقى من مهنية في قطاعٍ يبدو أنه يدفع ثمن غياب الشفافية غالياً.
