وداعا خوسيه موخيكا يا زهرة في تربة اليسار النقي

عاطف الركيبة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يرحل هذه الليلة عن عالمنا رجل يشبه الأساطير، لكنه كان حقيقيا تماما.
رجل عبر الحياة حافيا من الأوهام، بسيطا حد الدهشة، عميقا حد الإلهام.
خوسيه موخيكا، الرئيس الذي عاش فقيرا بإرادته، وغنيا بمواقفه، يغادرنا كما عاش في هدوء، دون ضجيج، كأنه يعتذر من الحياة عن كل هذا الهرج الذي لم يؤمن به يوما.

يرحل جسد موخيكا، لكن سيرته ستظل شاهدة على أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة، وأن النضال ليس نغمة قديمة، بل موقف يومي، وأن الزهد في المناصب ليس ضعفا، بل شجاعة قل من يملكها.

ولد موخيكا في 20 مايو 1935، ونشأ في بيئة متواضعة. انخرط منذ شبابه في النضال السياسي والاجتماعي، حيث انضم إلى حركة “توباماروس” اليسارية الثورية التي خاضت كفاحا مسلحا ضد الأنظمة الديكتاتورية والاستغلال الطبقي في الأوروغواي خلال الستينيات والسبعينيات.
دفعت مواقفه الجذرية ثمنا باهظا فقد اعتقل لعدة مرات وتعرض للتعذيب وظل في السجن 14 عاما، معظمها في ظروف قاسية، بين زنزانات انفرادية وعزلة شبه تامة، لم يكن يراه فيها أحد سوى الموت. لكنه خرج من تلك المحنة أكثر صلابة وأقرب للناس.

رغم قسوة السجن، لم يتحول موخيكا إلى حاقد، بل أصبح أكثر حكمة. انتخب رئيسا للأوروغواي عام 2010، بعد مسيرة سياسية نظيفة ضمن تحالف يساري. لكنه خالف كل أعراف السلطة: رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وتبرع بـ % 90من راتبه، وواصل العيش في مزرعته المتواضعة مع زوجته، يقود سيارته القديمة من طراز “فولكسفاغن بيتل”، ويستضيف الفقراء .

خلال ولايته، يحكي لي صديق عزيز من مدينة ابن جرير يقيم منذ سنوات بالأوروغواي، أن موخيكا عزز برامج العدالة الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور، ووسع التغطية الصحية، وكان سباقا لتوفير أجهزة كمبيوتر محمولة لجميع الطلاب والمعلمين في المدارس العمومية وسن نظام التعليم عن بعد منذ سنة 2013 .

كان موخيكا يساريا حتى النخاع، لكنه لم يكن أسير الإيديولوجيا، بل استخدمها كبوصلة أخلاقية. لم يكن يساريا بالكلام، بل بالفعل: ناصر العمال، دافع عن الفلاحين، حارب الفساد، واحترم المؤسسات. كان يؤمن بأن الحرية لا تساوي الاستهلاك، بل الكرامة، وأن العدالة الاجتماعية ليست ترفا، بل أساس الاستقرار.

قال ذات مرة:
“الفقراء ليسوا أولئك الذين يملكون القليل، بل أولئك الذين يحتاجون الكثير.”
في هذا القول تتجلى فلسفته في الحكم: التقشف اختيار، والتضامن واجب.
في عالم كثرت فيه (الميتاسيون او الكوبي او النسخ الكربونية) ضاعت الأصالة في زحام التقليد، كلما رحل يساري صنديد يملئ مكانه جبان رعديد. هؤلاء الميتاسيون يختبئون وراء شعارات اليسار التي يستظهرونها في ساحات التكسب. يرفعون راية العدالة والحرية، لكنهم لم يدافعوا عن أي قضية عادلة، ولم يدفعوا ثمنا لأي موقف.

هؤلاء يساريون بالمصطلحات فقط:
• يتحدثون عن “الهيمنة الطبقية” وهم يتسابقون على المناصب.
• يلعنون”البرجوازية” وهم يتسلقون بكل الوسائل ليكونوا منها.
• يستنكرون “الريع” وهم مستفيدون منه.
في الحقيقة، هم انتهازيون، دخلاء على اليسار، حولوا الأحزاب إلى قوارب للوصول، والبطاقات الحزبية إلى جوازات عبور نحو الامتيازات. هم من شوهوا معنى النضال، وساهموا في فقدان ثقة الناس بالأفكار التقدمية، وخلطوا بين اليسار كموقف وبين اليسار كفرصة.

وداعا خوسيه موخيكا، وداعا أيها الثائر الهادئ، وداعا أيها الإنسان.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.