الولوج الرقمي والذكاء الاصطناعي كرافعة لتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة: دراسة أكاديمية معمقة في السياق المغربي
هشام ايت الحاج
أفرزت التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم خلال العقود الأخيرة واقعاً جديداً أعاد تشكيل مختلف البنيات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، بل وأعاد صياغة أنماط التفاعل الإنساني وسلوك الأفراد داخل الفضاءين الواقعي والافتراضي. وفي خضم هذا التحول، برزت قضايا الولوج الرقمي باعتبارها أحد المداخل الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة لفائدة الفئات الهشة وعلى رأسها الأشخاص في وضعية إعاقة.
وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن الإعاقة محصوراً في بعدها الطبي أو الإحساني، بل أصبح يُؤطر ضمن مقاربة حقوقية شاملة تستند إلى مبادئ المساواة وعدم التمييز، كما كرّستها المرجعيات الدولية التي وضعتها United Nations، خصوصاً اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وبالتوازي مع ذلك، أضحى الذكاء الاصطناعي أحد أبرز أدوات التحول الرقمي، بما يوفره من إمكانيات هائلة لتيسير الولوج وتعزيز الاستقلالية، مقابل ما يطرحه من تحديات أخلاقية وقانونية معقدة.
وفي الحالة المغربية، يكتسي هذا الموضوع أهمية متزايدة في ظل تبني المملكة لمسار الرقمنة كخيار استراتيجي للتنمية، مما يستدعي مقاربة تحليلية نقدية لفهم أدوار الولوج الرقمي والذكاء الاصطناعي في تعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، ورصد التحديات المرتبطة بذلك، واستشراف آفاق السياسات العمومية في هذا المجال.
أولاً: الإطار المفاهيمي والنظري للولوج الرقمي والإعاقة
يشير مفهوم الولوج الرقمي إلى مجموع التدابير التقنية والمعايير التصميمية التي تهدف إلى جعل المحتوى والخدمات الرقمية متاحة وقابلة للاستخدام من طرف جميع الأفراد، بغض النظر عن قدراتهم الجسدية أو الحسية أو الإدراكية. ويستند هذا المفهوم إلى مرجعيات دولية، من أبرزها المعايير التي وضعتها World Wide Web Consortium، خاصة إرشادات الولوج إلى محتوى الويب (WCAG)، التي تقوم على مبادئ القابلية للإدراك، وإمكانية التشغيل، وقابلية الفهم، والمتانة.
أما مفهوم الإعاقة، فقد شهد تحولاً إبستمولوجياً من النموذج الطبي الذي يركز على القصور الفردي، إلى النموذج الاجتماعي والحقوقي الذي يرى الإعاقة كنتيجة للتفاعل بين الفرد والحواجز البيئية، بما فيها الحواجز الرقمية. ويؤكد هذا التحول على ضرورة إزالة هذه الحواجز بدل محاولة “تصحيح” الفرد، مما يجعل الولوج الرقمي شرطاً أساسياً لتحقيق الإدماج.
ثانياً: دينامية الرقمنة في المغرب وأبعادها الحقوقية
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية متسارعة في مجال الرقمنة، تجسدت في تبني استراتيجيات وطنية طموحة تهدف إلى تحديث الإدارة وتعزيز الاقتصاد الرقمي. فقد تم إحداث اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي سنة 2009، إلى جانب إطلاق برامج متعددة، من بينها الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2030، والعمل على تطوير الخدمات العمومية الإلكترونية، والانتقال نحو الإدارة الرقمية، وتأهيل البنية التحتية التكنولوجية.
وقد ساهمت هذه الدينامية في فتح آفاق جديدة أمام الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث أصبح بإمكانهم الولوج إلى مجموعة من الخدمات عن بُعد، مما يقلل من الصعوبات المرتبطة بالتنقل. كما تم تطوير منصات رقمية تفاعلية تعزز المشاركة المواطِنة، إلى جانب توفير تطبيقات وأجهزة مساعدة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل، تسهم في تقليص القيود الوظيفية وتعزيز الاستقلالية.
ويتعزز هذا التوجه من خلال الإطار الدستوري لسنة 2011، الذي كرس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وأكد على حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، إضافة إلى السياسات العمومية التي تسعى إلى إدماج بُعد الإعاقة في مختلف البرامج التنموية.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي كرافعة للتمكين والإدماج
يمثل الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي، حيث يتيح تطوير حلول مبتكرة تستجيب لاحتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة بشكل أكثر دقة وفعالية. ومن أبرز تطبيقاته:
- تقنيات التعرف على الصوت ومعالجة اللغة الطبيعية، التي تمكن من تحويل الكلام إلى نصوص والعكس، مما يسهل التواصل للأشخاص الصم أو المكفوفين.
- الرؤية الحاسوبية، التي تسمح بتحليل الصور والفيديوهات وتقديم أوصاف صوتية دقيقة للمحتوى البصري.
- المساعدات الرقمية الذكية، مثل Google Assistant وSiri، التي تتيح التحكم في الأجهزة عبر الأوامر الصوتية.
- أنظمة التعلم التكيفي، التي توفر محتويات تعليمية مخصصة وفق قدرات المستخدم.
وتساهم هذه التقنيات في تعزيز استقلالية الأفراد، وتحسين جودة حياتهم، وتمكينهم من الاندماج في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
رابعاً: التحديات البنيوية والمخاطر المرتبطة بالتحول الرقمي
رغم الإمكانات التي تتيحها الرقمنة والذكاء الاصطناعي، فإن هذا التحول يطرح مجموعة من التحديات التي قد تحد من أثره الإيجابي، بل وقد تؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية إذا لم تتم معالجتها بشكل استباقي. ومن أبرز هذه التحديات:
- الفجوة الرقمية، خاصة بين المناطق الحضرية والقروية، مما يحد من فرص الولوج المتكافئ.
- التمييز الخوارزمي، الناتج عن ضعف تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل قواعد البيانات، مما يؤدي إلى مخرجات غير عادلة.
- ضعف إدماج معايير الولوج الرقمي في تصميم العديد من المنصات والخدمات.
- ارتفاع تكلفة التكنولوجيا المساعدة، مما يحد من انتشارها.
- المخاطر الأخلاقية والقانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية واتخاذ القرارات الآلية.
وتزداد خطورة هذه التحديات في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والتشغيل، حيث يمكن أن تؤدي القرارات المؤتمتة إلى إقصاء غير مباشر للأشخاص في وضعية إعاقة.
خامساً: نحو نموذج مغربي للولوج الرقمي الشامل
لمواجهة هذه التحديات، يتعين تبني مقاربة شمولية ترتكز على مبادئ الإدماج والاستدامة، من خلال:
- إدماج معايير الولوج الرقمي في جميع مراحل تصميم الخدمات الإلكترونية.
- تعميم الولوج إلى الإنترنت عالي الصبيب، خاصة في المناطق الأقل حظاً.
- دعم الابتكار في مجال التكنولوجيا المساعدة.
- إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة في صياغة السياسات العمومية.
- تأهيل الجماعات الترابية، خاصة المدن الكبرى والوجهات السياحية، لتكون دامجة رقمياً، في ظل احتضان المغرب لتظاهرات دولية كبرى.
كما يتطلب ذلك تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وقطاع خاص ومجتمع مدني، لضمان تحقيق تحول رقمي عادل ومنصف.
إن الولوج الرقمي والذكاء الاصطناعي يشكلان اليوم رافعة استراتيجية لتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وتحقيق إدماجهم الكامل في المجتمع. غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهيناً بمدى القدرة على توظيف هذه التكنولوجيا في إطار مقاربة حقوقية شاملة، تراعي مبادئ العدالة والمساواة، وتضع الإنسان في صلب التحول الرقمي.
وعليه، فإن مستقبل الرقمنة في المغرب لا يقاس فقط بمدى تطور البنية التحتية أو الخدمات الرقمية، بل بقدرتها على تحقيق الإدماج الفعلي لجميع المواطنين، دون استثناء، بما يضمن الكرامة الإنسانية ويعزز التنمية المستدامة.
