منظومة الصحة بتازة… عندما يصبح الرصيف أقرب إلى المريض من سرير المستشفى
☆فاطمة التزاني ☆
لم يمت هذا الرجل داخل غرفة للإنعاش، ولم يفارق الحياة وهو يتلقى العلاج، بل توفي وهو يفترش الرصيف أمام بوابة المستعجلات بالمستشفى الإقليمي ابن باجة بتازة، على بعد أمتار قليلة فقط من المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا لإنقاذ الأرواح.
هذه الواقعة ليست مجرد حادث عابر، بل صفعة قوية لمنظومة صحية يفترض أنها وُجدت لحماية الأرواح لا لمشاهدة معاناتها. فحين يصبح الرصيف آخر محطة لمريض، فإن السؤال لا يتعلق بوفاة شخص واحد، بل بوفاة الإحساس بالمسؤولية.
المشهد ليس مجرد صورة مؤلمة، بل اتهام صريح لمنظومة يفترض أنها تقوم على حماية الحق في الحياة. أن يبقى إنسان في وضعية حرجة لساعات دون أن يجد من ينقذه، فذلك يطرح أسئلة أكبر من حادثة فردية، ويكشف خللًا في المسؤولية وفي الإحساس بقيمة الإنسان.
المؤلم أكثر أن الواقعة حدثت أمام أعين المارة والعاملين والوافدين إلى المستشفى، وكأن معاناة الإنسان أصبحت مشهدًا اعتياديًا لا يستحق التوقف عنده. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البعض يلتقط الصور أو يواصل طريقه، بينما يظل شخص يصارع الألم على الرصيف.
قد يقال إنه كان متشردًا، أو مختلًا عقليًا، أو مجهول الهوية، لكن منذ متى كانت هذه الصفات سببًا لسقوط الحق في العلاج؟ أليست حقوق الإنسان تُقاس بمدى حماية الفئات الأكثر هشاشة؟ أم أنها تتحول إلى شعارات تُرفع في المناسبات ثم تختفي عندما يتعلق الأمر بإنسان فقير لا يملك صوتًا ولا نفوذًا؟
إن ما حدث بتازة لا يجب أن يمر كخبر عابر، لأن القضية ليست وفاة شخص فقط، بل الطريقة التي وقعت بها الوفاة. فحين يصبح الرصيف مكانًا لاحتضار إنسان أمام مؤسسة صحية، فإن ذلك يستوجب مساءلة حقيقية، لا تبريرات جاهزة ولا تبادلًا للمسؤوليات.
اليوم، لا يحتاج الرأي العام إلى بيانات بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة: من المسؤول عن هذا الإهمال؟ وكيف يمكن أن يبقى إنسان لساعات في وضعية حرجة أمام باب المستشفى دون تدخل؟ ومن سيضمن ألا يتكرر هذا المشهد مع شخص آخر غدًا؟
لقد رحل الرجل، لكن صورته ستبقى شاهدة على واقع مؤلم، وستظل تطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا. :إذا كان الإنسان يمكن أن يموت على رصيف مستشفى، فأين هي منظومة الصحة؟ وأين هي الكرامة الإنسانية؟ وأين هي حقوق الإنسان التي لا ينبغي أن تميز بين غني وفقير، ولا بين مستقر ومتشرد، وبين سليم ومختل؟.
