اقتصاد الفقراء

بقلم : رحال بن الصويرة / طالب باحث في علم الاجتماع

إن الحديث عن اقتصاد الفقراء هو حديث بالأساس عن مجموعة من الممارسات والسلوكات والعادات التي يتبعها الفقراء من أجل تدبير اقتصادهم ومسايرة نمط عيشهم, فالكيفية التي يدبِّر بها الفقراء صحتهم والعناية بها, وتغذيتهم وقدرتهم على تنويعها, وتعليم أبناءهم وتطوير مهارتهم والوعي بأهمية المحاولة من أجل تحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي, تبقى من بين النقاشات التي أغفلتها الدراسات السابقة في دراستها للفقر والفقراء.

يقدم ابهجيت في كتابه اقتصاد الفقراء تحليلا دقيقا وتفسيرا عميقا يربط فيه بين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي, يمكن من خلاله الإحاطة بحياة الفقراء الاقتصادية ومعرفة الأسباب الحقيقية التي تجعل الفقراء غير قادرين أو عاجزين عن تحسين وضعيتهم. بالإضافة إلى الانفتاح عن المنظمات الحكومية والغير الحكومية التي تعمل على محاربة الفقر والتفاوت الطبقي في العالم.

يؤثر الوضع الاقتصادي للفقراء على حاضرهم ومستقبلهم وقدرتهم على التحسين من وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية وذلك من خلال عدم امتلاكهم للوسائل الكافية للاستثمار في قدراتهم وقدرات أبنائهم إن العيش على 99 سنتا في اليوم يعني أن تصبح قدرتك على الوصول للمعلومات محدودة؛ فالصحف والتلفزيون والكتب والراديو كلها وسائل يكلف الوصول اليها أو اقتناؤها مالا, وهو ما سيجعلك تجهل حقائق معينة يعلمها بقية سكان العالم”. تلعب وسائل الإعلام والاتصال أهمية كبرى في الاطلاع على الاخبار وتجديد المعارف والاستفادة منها والاستثمار فيها, فغياب امكانيات مادية من أجل توفير وسيلة للتواصل مع الأخرين أو على الأقل معرفة ما يجري في العالم سيجعل الفقراء يعيشون على نقاشاتهم اليومية وصراعاتهم الداخلية التي لا تتعدى الحدود الجغرافية التي يعيشون فيها, وسيغفلون ما يعرفه العالم من تطور وتقدم في مختلف المجالات بل سيغفلون حتى ما يجري في اقرب المناطق اليهم.

لذلك فالنقاشات التي يمكن فتحها مع الفقراء لا تنبي على أساس مثين بل تعتبر نقاشتهم وأفكارهم ثانوية ولا قيمة لها” الفقراء يستدعون الشفقة والرثاء, لا يظهرون ابدا كمصدر للمعرفة, ولا كأشخاص تتبادل معهم النقاش, حول ما يفكرون فيه أو يفعلونه أو يريدونه” يظهر الفقير على أنه شخص يحتاج إلى المساعدة ومثير للشفقة, وبتعبير أدق ينظر للفقير والفقراء على انهم ضحايا, ضحايا السياسات التي تنهجها البلدان التي ينتمون اليها, وضحايا أوضاعهم الاجتماعية المزرية, وضحايا تاريخهم الذي يرتبط بالفقر, مما يجعل الفقراء يقبلون على كل أشكال المساعدات الاجتماعية التي يمكن تقديمها اليهم.

تشكل هذه المساعدات المقدمة والموجهة إلى الفقراء نقاشا واسعا في صفوف خبراء التنمية, من خلال محاول فهم ومعرفة الكيفية التي يمكن من خلالها تحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي عن طريقها. بيد أن هذه الفرضية باتت خاطئة في ظل وجود مجموعة من التصورات الجديدة التي ترى أن المساعدات الخارجية تقتل التنمية وتعوق الأشخاص على البحث عن حلول لمشاكلهم. بالإضافة إلى ذلك فحتى تلك المساعدات المقدمة من طرف المؤسسات الحكومية والغير حكومية تجد نفسها في مأزق من خلال عدم معرفة القطاع الذي يمكن دعمه, فبغض النظر عن مصادر الأموال التي تقدم للفقراء يمكننا التساؤل في ماذا تُصرف؟ هل تُخّصص هذه الأموال إلى الإطعام؟ أو إلى الرواتب التقاعدية؟ أو إلى العيادات الطبية؟ أو إلى التعليم؟. محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي يمكننا من خلالها معرفة ما مدى ضعف المساعدات الخارجية في تقديم حلول واقعية لمشاكل حقيقية, على اعتبار أن المساعدات الخارجية لا تتميز بالاستمرارية في حين الفقر مستمر لا ينتهي وبالتالي فالمشكل يكمن في كيف يمكن للفقير أن يخرج من دائرة الفقراء نحو انتماء طبقي جديد دون أي مساعدات خارجية أو داخلية.

من هو الفقير وماذا يأكل الفقراء؟

الفقير هو الشخص الذي  ليس له قوت يومه, وعدم قدرته على إطعام نفسه بنفسه. يرتبط الفقر في كثير من الأحيان أو ما يمكن أن نسميه ب”ازمة خبز” كما هو الحال في المجتمع المغربي, حيث يُنظر إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون توفير ” الخبز” باعتباره وجبة أساسية وضرورية على انهم فقراء.

يمكن لتلبية الحاجيات الضرورية من الغذاء أن تحدث فرقا كبيرا بين الفئات المكونة للمجتمع خصوصا في ما يرتبط بالإنتاج وممارسة الأنشطة الاجتماعية ” كون الفقراء لا يقدرون على شراء ما يسد رمقهم من الطعام يجعلهم اقل إنتاجية ويبقيهم فقراء”بمعنى أن التوفر على الغذاء اللازم يمكن الأفراد من مزاولة أنشطتهم وتطويرها مع تسجيل ارتفاع في الإنتاجية, فوجود غذاء كافي ومتنوع يمكن الأفراد من وجود هامش كبير من الشروط الموضوعية للتفكير والإبداع, وبالتالي فالشخاص الذين لا يتوفرون على غذاء كافي لا يمكنهم أن ينتجون أكثر أو على الأقل لا يمكن التحسين من وضعهم الاجتماعي والاقتصادي “عندما يزداد الناس غنى, فانه يصبح بوسعهم شراء المزيد من الطعام وعندما يتم تلبية الحاجيات الأساسية للتمثيل الغذائي لدى الجسم فإن كل غذاء إضافي يذهب إلى بناء القدرات الجسمية مما يتيح للفرد أن ينتج أكثر مما كان لو يتعين عليه تناول الطعام لإبقاء نفسه على قيد الحياة”.

إن الأسئلة التي يمكن تقديمها في الحديث عن الفقراء والغذاء هي: ما الذي يأكل الفقراء؟ هل الفقراء حقا يأكلون جيدا؟ ما يأكل الفقراء هل يعود بالنفع على صحتهم وينعكس على إنتاجهم أم العكس؟ هل الفقراء يركزون على الكم أو الكيف في عاداتهم الغذائية؟ أم أن غذاء الفقراء يرتبط بدخلهم في تحديد نوعية ما يأكلون؟ كم ينفق الفقراء على الغذاء من دخلهم؟

ترتبط العادات الغذائية للفقراء بمجموعة من العوامل التي يمكن التوقف عليها وهي أن ما يأكل الفقراء من طعام لا يتجاوز حدود ما يمكن أن يجعلهم على قيد الحياة, بمعنى أن نوعية الأطعمة والعادات الغذائية عند الفقراء ترتبط بالكم أكثر من الكيف دون التركيز على السعرات الحرارية لكل وجبة أو أهميتها للصحة, بل في بعض الأحيان ما يأكلونه يكون غير كافِ بالنسبة اليهم, حيث انهم يأكلون من أجل العيش وليس من أجل تطوير القدرات, ويمكن أن نلمس هذه المسألة في النسبة المئوية من دخل الفقراء المخصصة للتغذية والتي لا تتعدى 30%ٌ وباقي دخلهم يخصصونه للحفلات والأعياد والمشروبات الكحولية والمخدرات «يفضلون صرف اقل قدر من المال في التغذية مقابل صرف اكبر قدر في المخدرات والمشروبات الكحولية“.

هكذا إذن يعيش الفقراء حياتهم مع سلوكات غذائية تجعلهم غير قادرين على الاستثمار في أجسادهم وأفكارهم وتجعلهم ضحية سوء تغذية الناتج عن سوء الصرف الجيد لدخلهم ومحاولتهم تحسين وضعيتهم من جهة ومن جهة ثانية التوزيغ الغير متكافئ للخيرات الاجتماعية من طرف المؤسسات المسؤولة عن التغذية مما يجعل فئة اجتماعية تهيمن على نسبة كبيرة من الغذاء التي يمكن أن تنقذ فئة عريض من المجتمع من المجاعة. يقول امارتيا سن “ أن معظم المجاعات التي وقعت مؤخرا لم يكن بسببها نقص في الغذاء وإنما سببها اتفاقات مؤسسية أفضت إلى حالة من التوزيع السيء للغذاء المتوفر, وتخزين الغذاء وتكديسه, رغم أن أخرين يموتون جوعا”.

وبالتالي فوجود غذاء جيد تتوفر فيه الشروط الصحية يعني مباشرة وجود مستقبل جيد للأفراد، فالمجتمعات التي تعرف وجود أفراد يعانون من أمراض مزمنة وكذلك يكونون قصار القامة, يكون ذلك نتيجة سوء التغذية حسب دراسة قام بها “باركر” والذي يبين من خلالها أن التغذية تؤثر على مستقبل الأفراد, وتجعل الأشخاص قصار القامة اقل حظوظا في تحقيق حراك اجتماعي في المجتمع على عكس الأشخاص طوال القامة الذين يتمتعو بذكاء خاص ويمكنهم تحقيق حراكا اجتماعيا.

كيف تؤثر الصحة على اقتصاد الفقراء؟

إن الحديث عن الصحة هو حديث بالأساس عن خاصية مهمة يمكن من خلالها فهم الكيفية التي يعمل الفقراء على  تحسين أوضاعهم والرفع من مردوديتهم, فامتلاك صحة جيدة يخول للأفراد القيام بمجموعة من المهام والوظائف التي يمكن أن تساعدهم في تدبير تفاصيل حياتهم, على عكس الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو أمراض معدية وغيرها. يجدون انفسهم يعانون الأمرين: الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي لا يمكِّنهم من الحصول على رعاية صحية تليق بهم أو على الأقل شراء ما يلزمهم من دواء, وفقدانهم للصحة والجسم السليم الذي قد يساعدهم في إيجاد حل لمشكلتهم.

الكيفية التي يتمثلوا بها الفقراء الصحة, والكيفية التي يتمثلوا بها العلاج والوقاية تؤثر حتما على صحتهم وصحة أبناءهم. “القضية ليست كم ينفق الفقراء على الصحة وإنما على أي شيء يُنفقون هذه الأموال التي غالبا ما تذهب إلى علاجات باهظة الثمن بدل أن توجه نحو سبل الوقاية ذات التكلفة الرخيصة”. غياب استراتيجيات الوقاية والحماية من الأمراض التي يمكن أن تصيبهم مستقبلا, والقيام بفحوصات دورية، هي من بين الأشياء التي لا يفكر فيها الفقراء أو على الأقل لا يخصصون لها حيزا مهما من اهتماماتهم.

بل حتى الفاعلون في القطاع الصحي من اطباء والمسؤولين عن توفير التجهيزات الطبية خصوصا في القطاع الصحي العام لا يحقق ما يمكن تسميته العدالة الاجتماعية في الوصول إلى إلى المرافق الصحية والاستفادة من الرعاية الصحية اللازمة. «إذا لم يكن الطبيب حاضرا في المستشفى, سيحصل على اجره الشهري, في حين أن العامل إذا لم يتلقى العلاج اللازم فلا يمكنه أن يحصل على اجره” فالصحة, الحصول على رعاية صحية جيدة يمكّن الفقراء على الأقل من استمرارهم في ممارستهم لأنشطتهم الاعتيادية, فالمرض يعني توقف الدخل للأسرة على اعتبار أن في كثير من الأحيان يكون الرجل هو المعيل الوحيد للأسرة وبمجرد أن يتعرص للإصابة بمرض ما فهذا يؤثر حتما على اقتصاد الأسرة, فلا يمكنه حينها أن يوفر لأبنائه ما يلزمهم من مستلزمات للدراسة, بل كذلك لا يمكنه توفير لهم تغذية جيدة من أجل صحة جيدة, ولا يمكنه أن يوفر لأسرته بأكملها ظروف عيش جيدة.

هكذا إذن يتبين كيف لسلوك بسيط يتمثل في عدم الاستفادة من الرعاية الصحية اللازمة يؤثر على أسرة بأكملها ومستقبل أبنائها, حيث أن وجود شخص مريض في أسرة فقيرة يعني بدون شك وجود خلل في النسق بأكمله يتطلب تعبئة كل الأفراد من أجل تحقيق إعادة التوازن لهذا النسق وهذا ما يكلف أفراد الأسرة الشيء الكثير؛ فالطفل الذي كان يتابع دراسته يمكنه أن يترك وراءه سنوات من الدراسة والاجتهاد المصحوب بالمعاناة والفقر والتهميش والإقصاء وغيرها مقابل البحث عن عمل يمكن من خلالها أن يعيل أسرته أو على الأقل يساهم بنسبة بسيطة في اقتصاد الأسرة, ويكون بذلك قد ساهم في ضياع فرصة كبيرة من أجل الخروج من الوضعية التي يعيش فيها إلى إعادة إنتاج نفس الظروف التي عاش فيها.

إن الكيفية التي يبني من خلالها الفقراء تمثلاتهم حول الصحة والمرض والعلاج والوقاية تؤثر حتما على قراراتهم واختياراتهم, فاتباع استراتيجيات العلاج التقليدي بدل الاعتماد على العلاج في المستشفيات التي توفر على الأقل حدود دنيا من الشروط الموضوعية للعلاج يؤثر حتما على مستقبل صحتهم. فتقديم تفسيرات أو تشخيص لأمراض معينة انطلاقا من الدين أو الذاكرة الجمعية أو التجارب السابقة للأفراد يجعل الأفراد منغمسين في ثقافة صحية ” غير علمية” قد تخلف لهم اثارا جانبية مما يجعلهم غارقين في الأمراض الناتجة عن وصفات لعلاج أمراض سابقة, حيث يتولد مرض عن مرض.

“إذا كان الناس لا يُقبلون على تقنيات الوقاية رخيصة الثمن والكلفة, لتحسين اوضاعهم الصحية, فهل يمكن أن يكون رخص هذه التقنيات هو السبب وراء ذلك؟” إن الأشياء رخيصة الثمن تتبر معدومة القيمة فقط لأنها متاحة للجميع وبثمن مناسب؛ تبدو هذه الفرضية في ظاهرها أنها صحيحها نظرا لكون أن الفقراء لا يقبلون على وصفات طبية واقية من الأمراض ولا يعملون على حماية انفسهم من أمراض مستقبلية, بل هذا الأمر يؤثر حتى على إبائهم من خلال عدم  القيام بالتلقيح ضد بعض الأمراض التي يمكن أن تصيبهم مستقبلا.

التفسيرات التي يمكن تقديمها حول استراتيجيات العلاج والوقاية والتعامل مع الإمراض يمكن ربطها بمجموعة من المتغيرات, كالمستوى التعليمي للآباء, ووضعيتهم الاجتماعية, والمحيط الذي يعيشون فيه” إن الناس يحددون خيارتهم على أساس ما يستطيعون فهمه” حيث أن وضعية الأفراد تحدد خيارتهم اتجاه, الصحة, التعليم, التغذية, تربية الأفراد, الاستثمار في ابناءهم, بناء تصورات جديدة, تمثلهم للجنس, الدين, السياسة وغيرها من الأمور التي لا يمكن فهمها وتحليلها وتفكيكها إلا من خلال العودة إلى الأصل الاجتماعي للأفراد الذين يحملون هذه التصورات.

هكذا إذن يتبين أن الاستراتيجيات التي يتبعها الفقراء من أجل صحتهم لا تختلف كثيرا عن الكيفية التي يتعاملون بها مع التغذية والتعليم, حيث يجدون انفسهم غير قادرين أو على الأقل لا يملكون من معارف أو خبرات تمكنهم من العناية بصحتهم والاستثمار فيها على المدى البعيد, وإخراج قدراتهم الفكرية والجسدية, والعناية بأطفالهم وصحتهم. حيث يشكل هذا الأمر مشكلة صحية تنعكس على واقعهم الاجتماعي والاقتصادي. أن تكون الصحة رأسمال فهذا ما لا يمكن الشك فيه, أما أن تكون مجرد جسد خاضع لقوى ميتافيزيقية تتحكم فيه فهذا ما يجب رفضه ورده منذ البداية, فالفقراء لا يعيشون ” ما كتب عليهم” وإنما يعيشون العمر الذي استطاعت أجسامهم تحمل فيه كل الصعاب والعراقيل من مرض وسوء تغذية وعمل شاق وغيرها من الأمور التي تفسر فناء الجسد.

كيف ينظر الفقراء للتعليم؟

تعتبر المدرسة مؤسسة اجتماعية تخول إلى الأفراد تحقيق مستوى معين من المعرفة وتحقيق حراك اجتماعي, فما يتلقاه الأفراد من معارف وخبرات تمكنهم من الاندماج في سوق الشغل والحصول على شهادات التي تمكنهم من شغل وظائف, حيث تختلف هذه الوظائف باختلاف درجات الشهادات المحصل عليها, وما مدى قدرة الأفراد على تحمل المسؤوليات والمهام التي يمكنهم القيام بها.

غير أن الولوج إلى المدارس والاستفادة من التعليم والحصول على شهادات عليا يتطلب الكثير من الجهد والمال والمتابعة الأسرية والتحفيز المادي والمعنوي. هذا ما يجعل الفئات الهشة والفقيرة من المجتمع لا تستطيع توفير هذه الإمكانيات لأبنائهم.” يبدو أن الفقراء عالقون في المشكلات ذاتها التي تؤثر فينا جميعا ومن بينها نقص المعلومات والمعقدات الواهية والميل للتسويف، صحيح إننا نحن ممن ليسوا فقراء أفضل تعليما واطلاعا نوعا ما لكن الفرق طفيف لأن ما لدينا من معرفة في نهاية المطاف إنما هي معرفة ضئيلة للغاية اقل مما نتصور «الفقراء يفتقدون للمعرفة اللازمة لمواكبة تعليم ابنائهم وتوجيههم ومساعدتهم في القيام بواجباتهم المدرسية وتحفيزهم ماديا ومعنويا على عكس الأفراد الغير فقراء المتمدرسون الذي يوجهون أبناءهم ويساندونهم ويوجهونهم احسن توجيه, بل يجعلون منهم مشاريع صغيرة للاستثمار فيها مستقبلا. على عكس الفقراء الذين يريدون الاستثمار في أبنائهم في اقرب وقت ممكن, حيث يجعلون من المدرسة فضاء للتضييع الوقت وتفويت مبالغ مالية نتيجة عمل أبناءهم.

من جهة ثانية لا يؤمن الفقراء بالاستثمارات بعيدة المدى التي تتطلب وقت اطول وجهدا اكبر بل لا يلتزمون حتى بالقرارات التي يتخذونها اليوم ولا يطبقونها في وقتها بل يؤجلونها إلى الغد, فالتسويف يجعل من الاستراتيجيات التي يتخذها الفقراء في الصحة والتعليم والتغذية لا معنى لها, في الوقت الذي يمكن أن  يكون لها أثرا كبيرا على صحتهم أو صحة أبنائهم أو مستقبلهم” الالتزام في الذهاب إلى صالة التمارين من أجل تجنب أزمة قلبية مستقبلية” هذا يعني بالأساس كيف يمكن للقرارات اليوم أن تؤثر على المستقبل بشكل غير مباشر أو مباشر, فممارسة الرياضة يعني تجنب أزمة قلبية محتملة مستقبلا, كما هو الأمر بالنسبة للتغذية السليمة والحصول على تعليم جيد, فوجود إمكانية التمدرس والاستفادة من المدرسة يمكن مستقبلا أن يعود بالنفع على الأسرة بل يمكن أن يجنبها مصيدة الفقر مستقبلا, فبدل أن يتعاقب اجيال على أسرة فقيرة يعيد أفرادها نفس الوضع الاجتماعي, يمكنهم أن يحققوا قطيعهم مع وضعهم الفقير إلى وضعية أفضل بسب قرار سليم.

من بين الاستراتيجيات التي ينهجها الآباء اتجاه تعليم أبنائهم هي وجود مجموعة من النماذج الناجحة في المنطقة التي ينتمون اليها حيتها يصبح الاستثمار في التعليم وفي الأبناء أمرا ضروريا مادام أنه يخلق الفرق ويعطي نتائج جيدة.” زيادة اوزان أبنائهم مما يشير إلى أن الاباء كان يمنحونهن قدرا اكبر من الرعاية وذلك بعدما تبين لهم أن تعليم الفتيات  قد بات يحقق قيمة اقتصادية  ولذلك اخذوا ينفقون عليهم برضا” زيادة الوزن مؤشر على زيادة الاهتمام والعناية وتوفير شروط ملائمة لبناتهم من أجل الحصول على تعليم جيد قصد بلوغ مناصب ومهام مهمة تعود بالنفع على أباءهم, هكذا يصبح التعليم مجرد مشروع يستثمر فيه الآباء في أبنائهم وتتكفل الجهات المعنية بتوفير لهم التكوين المناسب لهم بغض النظر على طبيعة التكوينات وأهميتها في سوق الشغل بالقدر الذي يهم تحقيق حراك اجتماعي معين للأفراد.

الاستثمار في الصحة والتعليم يعتبر بمثابة حلول واقعية لمشاكل حقيقية كالفقر مثلا, فالفقراء يفتقرون للقدرة على التعليم وحسب, فمن خلال توفر شروط ملائمة تمكنهم من ولوج المدرسة والاستفادة من التعليم وصحة جيدة يمكنهم حينها أن يجدوا لأنفسهم مخرجا لفقرهم, فالمساعدات الاجتماعية والرعاية المقدمة من طرف المنظمات الحكومية والغير حكومية تقدم حلول انية لا تتميز بالاستدامة, تجعل الأفراد غير قادرين على البحث عن حلول لمشكلاتهم وينتظرون أشخاص أخرين يقدمون لهم المساعدة والرعاية.

أن تقدم للفقراء مدرسة جيدة تضمن لهم تكوينات جيدة ومناسبة وان توفر لهم رعاية صحية تليق بهم وبالمشاكل الصحية التي يعانون منها, خير من أن تصرف اموال كثيرة من أجل تغذيتهم, فهم لا يحتاجون إلى الغذاء بالقدر الذي يحتاجون إلى طريقة ما للحصول على الغذاء بأنفسهم وتعلم مهارات تمكنهم من إنتاج سلع أو تقديم خدمات تجعلهم أكثر نشاطا في المجتمع وحيوية.

يعيش واقع التعليم في المجتمعات الفقيرة مجموعة من المشاكل سواء تلك المرتبطة والمتعلقة بالتعليم الخصوصي والتعليم العمومي, أو تلك المرتبطة بتعامل الأساتذة مع التلاميذ الفقراء وغير الفقراء, بل وكذلك ما مدى قرب أو بعد المدرسة من الأفراد.

يرى الكثير من الباحثين أن التعليم الخصوصي يقدم تكوينا جيدا للتلاميذ الذين يدرسون فيه, ويمنحهم افضليه اكبر وحظوظا أكثر لولوج سوق الشغل على عكس التلاميذ المتمدرسون في المؤسسات الحكومية التي تقدم تعليما يعكس الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية للمقبلين عليه.

هذا الأمر ينعكس سلبا على الجانب النفسي والاجتماعي للفقراء حيث يجعلهم يشعرون بنوع من الاقصاء والدونية مقارنة باقرانهم “الاقصاء بالانتماء الطبقي يجعل الفقراء يؤمنون بأن كل شيء صعب, ولا شيء يمكنهم فعله, ولا يمكنهم منافسة أبناء الطبقة العليا”الاحساس بالدونية والضعف بالنسبة للفقراء يجعلهم غير قادرين على الإيمان بأنفسهم وبقدراتهم, بل أنه الأمر الذي تطرقنا إليه منذ البداية الفقراء عاجزون, كسالى, غير قادرون على فعل شيء حيال مشكلتهم, الفقراء يعيشون دور الضحية, ينتظرون الإعانات والمساعدات دون أن يفعلوا حيال انفسهم, هذا الأمر يتم تلقينه منذ الطفولة حينما يلجون إلى المدارس ويتعرظون إلى التمييز والاقصاء من طرف الأساتذة الذين من المحتمل أن يكونوا قد عاشوا نفس وضعيتهم بيد انهم يميلون إلى اعطاء علامات أفضل وتشجيعا اكبر إلى أبناء الطبقة العليا” يميل الأساتذة إلى منح نقط عالية إلى أبناء الطبقات الميسورة على عكس أبناء الطبقة الدنيا, بالرغم من انتمائهم الطبقي للفقراء”. مما يشير إلى أن الأنظمة المدرسية أنظمة نخبوية بكل المقاييس, حيث المنهاج المدرسي يتماشى والثقافة النخبوية, اللغة التي يتم بها التدريس, مما يجعل الفقراء لا يقبلون على المدارس لانها لا تمثلهم يجدون انفسهم غرباء غير مرحب بهم ” الفقراء ينتهي بهم المطاف في المدارس التي تظهر لهم ومنذ البداية انهم ليس موضع ترحيب, ما لم يظهروا مواهبهم وقدراتهم, ومن المتوقع أن يظلوا يعانون في صمت حتى ينقطعوا عن الدراسة” كيف يمكن للفقراء أن يعرضوا مواهبهم ويتكيفوا مع ثقافة غير ثقافتهم, يجدون انفسهم امام نسق تعليمي يقصيهم من الداخل بطريقة سلسة ومرنة, حتى يؤمنوا انطلاقا من انفسهم أن المدرسة لا تعنيهم بل ينظر إلى المدرسة على أنها تثبت الجهل بدل الوعي.

لماذا يدرس الفقراء؟ الفقراء لا يدرسون من أجل تطوير مهاراتهم وقدراتهم بالقدر الذي يدرسون من أجل الوصول إلى وظائف حكومية تجعلهم ينعمون بنوع من السلطة والمسؤولية بالرغم من الدخل المنخفض الذي يمكنهم الحصول عليه مقارنة ببعض الوظائف الغير حكومية التي يمكن أن تمنحهم اجر أفضل وامتيازات أكثر. بالتالي فالمستوى التعليمي للفقراء يؤثر بطريقة غير مباشرة على الدخل الأسري حيث كلما ارتفع المستوى التعليمي كلما ارتفع معه الدخل” كلما ارتفع المستوى التعليمي للطفل كلما زاد الدخل وذلك بنسب مختلفة ابتدائي – اعدادي- ثانوي – جامعي” حيث أن المستوى التعليمي يؤثر على مستوى التفكير والوعي والاندماج في سوق الشغل فالأشخاص المتمدرسون يمكنهم الحصول على وظائف جيدة كما يمكنهم أن يعملوا على بناء مشاريع خاصة بهم ترفع من دخل على عكس الأشخاص الغير متمدرسين الذين يركزون على الأعمال الشاقة والتي لا تحسن من دخلهم, بل تجعلهم يتعرضون لأمراض مزمنة وخطر اكبر في حياتهم.

بيد أن بنية الأسرة الفقيرة غالبا ما تتميز بوجود مجموعة من الأطفال حيث يتراوح معدل الخصوبة في صفوف الفقراء بين 5 و 7 طفل لكل امرأة في مجموعة من الدول الفقيرة, ما يشير على أن الفقراء يلدون أكثر مقارنة مع غير الفقراء, ووجود أطفال أكثر في أسرة فقيرة يعني عدم نفس الحظوظ المتساوية في الولوج إلى التعليم فغالبا ما يكون الطفل الذي يحقق نتائج جيدة هو الذي يُستثمر فيه في حين أن باقي الأطفال يتم فصلهم عن الدراسة بسبب التكلفة وتوجيههم إلى مهام أخرى” أن الفقراء لا يفكرون ولا يعرفون التداعيات المستقبلية في انجاب اكبر عدد من الأطفال” المشكلة التي تعرقل الفقراء في بناء استراتيجيات كفيلة بتحسن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي هي ارتفاع معدل الخصوبة والتي يظل السؤال الأكبر من طرف خبراء التنمية في وضع برامج تنموية لفائدة الفقراء, فالأمر ينعكس على وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية كما أنه ينعكس على مستقبل أبنائهم الذين من المحتملون أن يصبحون فقراء مثلهم ويعيدون إنتاج نفس الوضع نظرا لعدم تمكنهم من الحصول على الرعاية الصحية الجيدة والتعليم الجيد الذي يؤهلهم إلى سوق الشغل والتغذية الكافية للتفكير والإبداع.

بناء على ما سبق يمكن القول أن التعليم يشكل اللبنة الأساسية لجعل الفقراء قادرين على وضع حلول لمشاكلهم والانخراط فيها ومساعدة انفسهم بأنفسهم وضمان مستقبل جيد لأبنائهم. فهندسة التعليم وضمان جودة لائقة, ومكونين جيدين يؤمنون بالفقراء وقدراتهم, وتلاميذ وطلبة يثقون بأنفسهم وبقدراتهم وأباء يشجعونهم على الاجتهاد والبحث عن المعرفة سيعود حتما بالنفع على المجتمع بشكل عام والفقراء على وجه الخصوص, فالمشكلة ليس في غياب الدخل الكافي وإنما في قدرة الفقراء على ولوج التعليم والتكيف مع مناهجه وثقافته التي تبدوا غربية على الفقراء في مضمونها.

رحال الصويرى
Comments (1)
Add Comment
  • هاجر

    تحليل ممتاز موفق الأخ رحال