إن التفكير في بناء بحث سوسيولوجي يتطلب لا محال وجود رؤية منهجية، وخطة ميثودولوجية تمكن الباحث من تقديم عدة منهجية ووسائل بحثية لمواجهة الموضوع المراد دراسته، كما هو معروف داخل الحقل الأكاديمي والعلمي في العلوم الاجتماعية، إن الطريقة التي تُدرس وتُبنى بها المواضيع السوسيولوجية، لها وقع كبير في النتائج المحصل عليها أو على الأقل الخلاصات البحثية. ولعل ما دفع مادلين غرافيتش القول أن العلوم الاجتماعية هي علوم مناهج وليس نتائج، في محاولة صريحة منها لتبيان وتوضيح أهمية المنهج في العلوم الاجتماعية. من الواضح أن كتاب إميل دوركايم ” les règles de la méthode sociologique ” يعتبر من بين اهم الكتب المنهجية التي حاول من خلالها دوركايم تقديم مجموعة من الطرق التي يمكن من خلالها تفسير الظواهر الاجتماعية، بل أن مساهمته لم تتوقف عند هذا الحد بل تجاوزته إلى تحديد الكيفية التي يجب على عالم الاجتماع التعامل بها مع الظواهر الاجتماعية واعتبارها كأشياء، محددا بذلك خصائصها التي تميز الظاهرة الاجتماعية عن غيرها. لكن ماكس فيبر هو الأخر كان له إسهام منهجي غير معروف وهو ” Essais sur la théorie de la science.” الذي حاول من خلاله هو الآخر تبيان الكيفية التي يمكن من خلالها دراسة النشاط الاجتماعي. حيث يقول فيه” إن ما ندعوه علم الاجتماع هو علم مهمته الاستيعاب والفهم عن طريق تأويل النشاط الاجتماعي.
بيد أن مساهمة هوارد بيكر في مسألة المنهج مساهمة أصيلة ومتميزة خصوصا من خلال كتابه
“Tricks of the Trade How to Think about Your Research While You’re Doing It”
خصوصا وأنه حاول أن يقدم تصورا جديدا في بناء الأبحاث السوسيولوجية داخل الحقل الجامعي أو خارجه، وذلك من خلال وضعه مجموعة من المراحل لبناء الموضوع ووضع مجموعة من التفسيرات والشروحات والتجارب الميدانية والنظرية التي تمكن الطالب بدرجة أولى والباحث في العلوم الاجتماعية بشكل عام من الوصول إلى صورة موحدة حول ما يريد أن يفعله، والطريقة التي يمكن أن يفعله بها، والوقت الذي يلزمه لذلك.
كيف قدم هوارد بيكر نموذجه المنهجي في دراسة وتحليل الأنشطة الإنسانية؟ وما هي أوجه الاختلاف بين التصور الذي جاء به هوارد بيكر والتصورات الوضعية؟ وأين تكمن أهمية المنهج الكيفي داخل العلوم الاجتماعية؟
إن الكيفية التي ننظر بها إلى المجتمع والأفراد والمؤسسات والتنظيمات تختلف باختلاف الفاعلين والرهانات والاستراتيجيات والمنطلقات والمرجعيات المختلفة لكل شخص، حيث تتعدى الرؤى وتختلف من حقل إلى آخر بل حتى من داخل الحقل نجد مجموعة من التصورات التي تعالج نفس الظاهرة من زوايا مختلفة. فالكيفية التي ينظر بها علماء الاجتماع للمجتمع ليست هي نفسها نظرة الفلاسفة أو نظرة الفيزيائيين أو البيولوجيين فلكل واحد منهم منطلقاته النظرية والشخصية التي تحكمه وتحكم تصوره للمجتمع وتفاعلاتنه.
يقدم بيكر في كتابه Tricks of the Trade تفسيرا دقيقا لهذه المسالة في فصله الأول حيث يبين من خلال مجموعة من التجارب التي عاشها داخل جامعة شيكاغو، والتي تتميز أساسا بوجود نوع من الصراع الحاصل بين العمل النظري والعمل الميداني باعتبارهها اتجاهاين متضاربين فيما بينها، حيث يوضح أن الكيفية التي تُعرَّف بها المفاهيم تقوم على أساس مجموعة من الخذع من بينها: تقديم تعريف لمفهوم الجماعة الأثنية على سبيل المثال انطلاقا من الفهم الخاص لها وذلك من خلال وضع مجموعة من المؤشرات لهذا التصور. الحيلة الأخرى ترتبط بالاعتماد على التصور النظري الذي يتبناه الباحث أو الذي أسسه ويحاول من خلاله تقديم تعريف أو تحديد المفهوم وأجرأته وفق الاطار النظري العام، كما هو معروف عند اميل دوركايم من خلال محاولته تقديم تعريف أو تفسير لكل الظواهر انطلاقا من مفهوم الرابط الاجتماعي، أو كما قام بذلك اكسيل هونيت صاحب باراديغم الاعتراف الذي يحاول تقديم تفسير وفهم لكل الظواهر في علاقتها بالاعتراف معتبرا أن الإنسان في مختلف علاقاته وتفاعلاته والمؤسسات التي ينتمي اليها والمناصب التي يشغلها يبحث من خلالها عن الاعتراف.
في هذا الصدد يعرف بيكر الحيلة Trick باعتبارها عملية محددة توضح طريقة التغلب على بعض الصعوبات الشائعة. قد يبدو بطريقة أخرى مشكلة مستعصية ومستمرة، تتعامل الحيل التالية مع المشكلات في العديد من مجالات عمل العلوم الاجتماعية ( الصور- اخذ العينات – المفاهيم – المنطق). هكذا إذن تصبح الحيل من بين الاستراتيجيات التي ينهجها الباحثين داخل الحقل العلمي سواء في ابحاثهم الميدانية أو حتى في دروسهم الجامعية كما يبين بيكر كيف انه كان يستخدم مجموعة من الحيل من أجل ملئ ساعات الدرس وذلك من خلال الحديث عن اشياء لا ترتبط بشكل مباشر بموضوع المحاضرة أو الإطناب في الأمثلة وغيرها من الحيل.
الحيلة هي اقتراح لتغيير الأمور ورؤية الأشياء بشكل مختلف من اجل خلق مشاكل جديدة للبحث، فنحن بحاجة إلى طرق لتوسيع نطاق تفكيرنا ورؤية ما يمكن أن نفكر فيه أو نطلبه أيضا لزيادة قدرة أفكارنا على التعامل مع تنوع ما يحدث. لذلك نجد العديد من الحيل المكرسة لهذا المشروع. فالحيل تستخدم من اجل تشكيل صورة موضوعية وعلمية للعالم والمجتمع، فلا يمكن التعامل مع مواضيع إنسانية بطرق مباشرة، أو كما يوضح ذلك إدريس بن سعيد ” لا يمكن التعامل مع مواضيع ساخنة بأدوات باردة”، وهذه هي الفكرة التي دافع عنها قبله بيكر من خلال قوله أن المناهج الكيفية ليست هي الوحيدة من بين المناهج، والمناهج الكمية لا تقل أهمية مقارنة معها، لكن ما اهتم به وما ادرسه وما اعرف القيام به تستجيب له المناهج الكيفية اكثر.
ينظرُ بيكر إلى الصور الموضوعيةSubstantive Imagery باعتبارها العملية الأساسية في دراسة المجتمع، حيث يتم البدء والانتهاء منها، حيث يتم تشكيل هذه الصورة انطلاقا من الإحصائيات المحلية والدراسات أو المنشورات الصادرة اتجاه موضوع نشاط معين. حيث يمكن من خلالها بناء تصور أولي حول الانتماء الطبقي، المستوى التعليمي، الحالة العائلية، الحياة الأسرية، الفئة العمرية…الخ.
لكن الصورة في الحقيقة هي اكبر من تجميع الإحصاءات والتصور يتضمن دليلا غير موجود في الكتب والجداول التي يمكن الاطلاع عليها والتفاصيل التي يمكن رؤيتها. فالباحث في علم الاجتماع لديه مجموعة من التصورات حول النشاط المراد دراسته، بغض النظر على ما مدى قربه أو بعده منه إلا انه لا يمكن أن يتطرق إلى موضوع معين دون معرفة مسبقة. فحتى علماء الاجتماع لديهم نصيبهم من الصور النمطية وأحكامهم المسبقة. بيد أن ما يميز عالم الاجتماع عن الروائي والسينمائي هو انه لا يتوقف عند حدود الخيال والاستقراء، لأنه يعلم أن الصورة النمطية لا يمكنه أن تقود إلى الحقيقة بل يتجاوزه إلى حدود البحث عن القصة كاملة بدل التنبؤ بها أو إرجاعها إلى علاقات سببية.
الباحث في العلوم الاجتماعية لديه مجموعة أخرى من الصور المحددة التي يستخدمها، تتكون هذه الصور من نظرياته والمعتقدات السائدة في دوائره المهنية، حيث نلاحظ في بعض الأحيان كيف يلائم الباحث في علم الاجتماع الواقع الاجتماعي مع نظرياته. يمكن أن نقدم في هذا الصدد مجموعة من التصورات النظرية بداية من اميل دوركايم صاحب التصور الوظيفي وقبله التصور الماركسي، ثم بعدهم التصور التفاعلي الرمزي وصولا إلى العقلانية الميتودولوجية والبنيوية التكوينية و براديغم الاعتراف والشكلانية، حيث أن هذه التصورات عبارة عن باراديغمات تتميز بوجود عدة مفاهيمية يمكن من خلالها قياس كل الظواهر الاجتماعية وتقديم تفسير أو تحليل أو فهم لها من زاوية محددة مسبقا، هكذا إذن يتم التعامل مع الفعل أو النشاط أو الظاهرة داخل المجتمع انطلاقا من التراكم المعرفي الموجود مسبقا لا من خلال الاطار النظري والمفاهيمي وفق التغير الحاصل داخل المجتمع.
يمكن أن نقدم في هذا الصدد مثال بيير بورديو حول عدد من الدراسات التي قام بها وسنأخذ على سبيل المثال لا الحصر دراسته حول التفاوتات المدرسية والذي بدأها في كتابها الورثة ونظر لها في إعادة الإنتاج، كل ما جاء به بيير بورديو هو ناتج عن مجموعة من الصور التي كان بورديو يحملها مسبقا حول الجامعة والثقافة المهيمنة، حيث يعلم جيدا أن ثقافته ثقافة المقهورين وأنه وجد صعوبة في التكيف داخل الحقل مما دفعه إلى وضع مجموعة من التساؤلات والافتراضات القبلية الناتجة عن تجربته الشخصية كطالب وليس كباحث. لكن وبالرغم من كل شيء فما يهم في العلوم الاجتماعية ليس ما يجب أن يكون، أو بتعبير أدق لا يهم الكيفية التي يجب أن يتعامل بها ويتفاعل بها الناس بل ما مدى دقة ما توصل اليه الباحث وكيف وصل له، ولعل هذا ما يجعل المثن البورديوزي مثنا سوسيولوجيا أصيلا لا يمكن الشك فيه أو على الأقل لا يمكن تجريده من روحه العلمية.
يقول صاحب بنية الثورات العلمية ” ملاحظتنا ليست صافية، إنها تتشكل من خلال مفاهيمنا، نحن نرى ما لدينا عنه فكرة مسبقة، ولا يمكن رؤية ما لا نعرفه وما لا نستطيع التعبير عنه أو وصفه، لا توجد حقائق مستقلة عن الأفكار التي نستخدمها للوصف. وهي نفس الفكرة التي دافع عنها ووضحها في اكثر من مرة لودفينغ فيتغنشتاين خصوصا في كتابه فلسفة اللغة، حيث يميز بين ما يقال وما يجب أن يقال، ويوضح جليا أن الناس لا يخبرون ما هو كامن في صدورهم بل يقولون ما يريدون الناس سماعه. وفي ذات السياق يمكن الحديث عن أهمية اللغة في وصف وسرد الأحداث، فلا يمكن وصف أو فهم نمط من الموسيقى دون ادراك الرموز والدلالات واللغة التي أُنتج بها هذا النمط الموسيقي.
يمكن الوقوف في هذا الصدد عند مجموعة من النظريات التي تنتمي إلى علم النفس الاجتماعي في محاولة إلى فهم الكيفية التي تتشكل من خلالها المعرفة الاجتماعية؛ يمكن اختزالها في تصورين الأول يعتبر أن المعارف الاجتماعية تتشكل وفق تفاعل بين الذات الفردية والسيرورات الاجتماعية بمعنى الأفراد يكونون معارفهم انطلاقا من تفاعلاتهم مع المجتمع باعتبار أن المجتمع هو الذي يعطي معنى للأشياء، والتصور الثاني يرى أن المعرفة الاجتماعية تتشكل وفق طرق غير واعية أو ترتبط باللاوعي. يكفي أن نرى شابة في العشيرينات من عمرها ترتدي لباسا معينا، تتميز به فئة العاملات في الجنس تتمشى في الشارع وصمها ووصفها “بالعاهرة”. أن هذا الواصف ناتج عن معرفة مسبقة حول هذه الفئة الذي لم تكلف صاحب الحكم الشيء الكثير، فقط عمل على استحضار كل النماذج الجاهزة وقام بقياس ما مدى تلاءمها مع الحالة وأسقاط الحكم؛ هذا ما يطلق عليه في علم النفس الاجتماعي بالمعرفة الساذجة.
اعتمدت التفسيرات الأولى في علم الاجتماع خصوصا مع رواد التيار الوظيفي على المماثلة العضوية وذلك من خلال اعتبار المجتمع ككائن حي، أي أن الكيفية التي يشتغل بها ويتفاعل بها أعضاءه لا تختلف كثيرا عن العمل العضوي لدى الكائن الحي. يعتبر بيكر هذه حيلة من بين الحيل التي يلجأ اليها علماء الاجتماع حول تقسيم المجتمع بين المنحرفين والغير منحرفين، السوي والغير سوي، الخير والشر…الخ. كل هذه التقسيمات هي نتيجة لرؤية المجتمع ككائن حي والتي تساعد على التنبؤ بأفعال الناس وردود أفعالهم وتمثلاتهم انطلاقا من النماذج النمطية التي ينطلق منها الباحث في تحليله وتفسير وفهمه لأي ظاهرة اجتماعية.
بيد أن هذه الرؤية العضوية للمجتمع أو ما يمكن تسميته بالرؤية السببية للمجتمع لا تقدم تفسيرا دقيقا بالمعنى العميق للمجتمع، فهذا لا يعني انه إذا كان مرض السكري يؤثر على احد وظائف الأعضاء، ويخلق خللا في الجسم. سيعكس في المقابل داخل المجتمع نفس التاثير، فالانحراف أو الجريمة بالمعنى الوظيفي لا يمكن أن يكون لها تأثير بالكيفية التي يؤثر السكري على الجسم كما لا يمكن التنبؤ بالنتائج التي يمكن أن تحصل على هذا الفعل. وبالتالي فما يجب على علماء الاجتماع الاهتمام به هو النشاط وليس الأفراد. هكذا إذن يمكننا التركيز على الأنشطة بدل الأشخاص بفعل الاهتمام بالتغيير لا الاستقرار.
تتميز الدراسات الأولى في علم الاجتماع بهذا النوع من التحليل والتفسير خصوصا مع اميل دوركايم الذي يعتمد كثيرا على التحليل السببي ومعه ماركس أيضا، فدراسة الانتحار عند دوركايم على سبيل المثال قدم من خلالها تحليلا سببيا ” درجة التماسك الاجتماعي تؤثر في نسبة الانتحار” حيث قدم تعريفا للانتحار وبين أبعاده، كما قدم تعريفا للتماسك الاجتماعي وحدده في بعدين أساسيين البعد الديني والبعد العائلي وحدد لكل بعد خمسة مؤشرات، مما يشير إلى أن كل شيء مبنين بشكل منتظم وبالتالي فيمكن التنبؤ بالانتحار قبل حدوثه، حسب دوركايم، إذا كنت تنتمي إلى المذهب البروتستانتي، وعازب، لا تنتمي إلى جماعة معينة، روابطك الاجتماعية هشة، فإنك معرض بنسبة كبيرة للانتحار، أما اذا كنت متزوج، لديك أبناءك، درجة تعلقك بهم كبيرة، وتنتمي إلى المذهب الكاثوليكي، وعلاقتك بباقي الفاعلين داخل المجتمع جيدة، فإن احتمال انتحارك ضعيف جدا، أما اذا كنت تنتمي إلى جماعة دينية أو سياسية أو شبابية معينة ودرجة ارتباطك بها قوية، وكانت هذه الجماعة تتبنى الانتحار كشكل من إشكال الاحتجاج أو تحقيق رضا الذات الالهية فإن قوة التماسك الاجتماعي ستجعلك عرضة للانتحار اكثر.
يرفض هوارد بيكر هذا التحليل، ويعتبر أن دراسة الانتحار تطرح مشاكل نوعية، في ظل غياب إمكانية الحصول على شهادة من صاحب الفعل، وبالتالي فالجهات المعنية سواء الطبيب أو غيره ليست لديه السلطة في تحديد أو وصف الحالة بحالة انتحار فيمكن لشخص أن يموت بسبب حقنة زائدة دون الوعي بخطورتها، ويمكن لشاب أن يقع من اعلى طابق دون نية القصد، وكل هذه الأمور لا يمكن معرفتها ولا التنبؤ بها وبالتالي فتحليل دوركايم للانتحار يمكن اعتباره كتاب دعاية للسوسيولوجيا في تلك الفترة.
في هذا الصدد يميز بيكر بين التحليل السردي والتحليل السببي، فالأول يجب على سؤال “كيف” والثاني يجيب على سؤال “لماذا”، يرى بيكر أن الباحث عندما يطرح سؤاله على شكل لماذا فإنه يبحث عن أسباب محددة ومعينة، لماذا ينتحرون الناس؟ من بين الإجابات الممكنة؛ ينتحرون الناس لان الحياة لا معنى لها بالنسبة اليهم! أو ينتحرون لانهم لم يتشبثوا بقيمهم الدينية!
على عكس ذلك يمكن أن نقدم سؤال حول ظاهرة التدين أو العمل الجنسي، فمثلا بدل أن نقدم سؤال لماذا تصلي؟ نسأل كيف تصلي؟ وبدل السؤال، لماذا العمل الجنسي؟ كيف ولجت إلى العمل الجنسي؟ فالاختلاف في صيغة السؤال يساعد الباحث على الوصول إلى قصص مختلفة تمكنه من الحصول على اكبر عدد من المعطيات كما فعل ذلك كارفينكل مع المتحول جنسيا، أو كما قام أيضا بيير بورديو في كتابه بؤس العالم، بالإضافة إلى أبحاث كليفورد غيرتز. ومرغريت ميد، ومالينوفسكي وأخرون الذين يبحثون عن الكيف اكثر من الكم. بيد أن هذه المسألة تتطلب ما يسميه بيكر بالمهنية أي على الباحث أن يكون متدربا في ملاحظة ووصف العالم الاجتماعي، حيث يقول أن الاكاديميين هم الذين لا يرقص معهم احد في الثانوية”، وبالتالي فهذا نوع من التدريب الذي يجب توفره في الملاحظ الجيد، هذه المسألة يتفق عليها دوركايم من خلال تأكيد على دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء مع الحرص على عدم إدراج الأحكام المسبقة. بالإضافة إلى ماكس فيبر الذي يؤكد هو الأخر على الحياد القيمي في التعامل مع الأفعال الاجتماعية بمختلف أنواعها. وكذلك بيير بورديو في كتابه ” حرفة علم الاجتماع” يقول أن القطيعة مع الحس المشترك معلنة لكن غير مطبقة، في سياق حديثه عن تكوين رؤية علمية للظواهر الاجتماعية.
هكذا إذن يمكن القول أن أهمية المنهج الكيفي تكمن في قدرته على الوصول إلى قصص علمية مختلفة، تختلف باختلاف السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي للفرد، وتختلف كذلك باختلاف التصور النظري والتكوين الاكاديمي للباحث. فما نريد دراسته ليس له أسباب بل له تاريخ ونص وسرد، فالكتابات التي أنتجت حول الانحراف والإجرام والعمل الجنسي وغيره من الأنشطة الاجتماعية الموجودة في كل المجتمعات تحتمل وجود قصص مختلفة ومتنوعة تختلف من مجتمع إلى أخر بل تختلف داخل المجتمع، وبالتالي فالباحث في العلوم الاجتماعية عليه أن يهتم بالقصة العلمية للنشاط بذل التركيز على الأسباب والناس، وهذا في حد ذاته تجاوز ضمني للدراسات التي تحاول أن تعمم نتائجها وفق إحصائيات معينة فالإحصائيات لا تقد صور علمية بالمعنى الدقيق بل تقدم تصورات الأفراد التي من المرتقب توقعها والتنبؤ بها من خلال وضع أسئلة محصورة وفق اقتراحات معينة وبالتالي فالمبحوث لا يمكنه التفكير أو التعبير عن رأيه خارج حدود ما هو موجود في المقترحات.
ختاما يمكن القول أن الكيفية التي حاول من خلالها بيكر وصف وتحليل وتفكيك النشاط الاجتماعي، ومحاولة وضع طرق وتقنيات بحثية تساعد الباحث في إنجاز بحثه بطريقة احترافية هي ناجحة إلى حدود كبيرة، خصوصا وأن دراساته حول عوالم الفن والانحراف والماريجوانا وغيرها، دراسات ناجحة، اعتمد فيها على البحث الكيفي وقد من خلالها قصص علمية مقنعة ومترابطة ومتماسكة فيما بينها كما يدعو إلى ذلك.