هوارد بيكر في ذكرى الرحيل: تفكيك إسهاماته الرائدة في فهم تطور سوسيولوجية الانحراف وتأثيرها المستدام”

رحال بن الصويرة

ارتبطت سوسيولوجيا الانحراف أساسا بالسياق العام لعلم الاجتماع، إذا كان علم الاجتماع يدرس الظواهر والأفعال الاجتماعية السائدة في المجتمع من خلال عدة منهجية ومفاهيمية تتماشى مع الخصائص الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمع المراد دراسته، فإن الأمر نفسه ينطبق على السياق التاريخي في ظهور سوسيولوجيا الانحراف. في الوقت الذي تعرف فيه المجتمعات تنوعا وتعددا ثقافيا، واختلاف في التصورات والآراء حول الحياة والوجود والسلوك القيم، أصبح من اللازم ظهور حقل علمي داخل علم الاجتماع يدرس هذه الظواهر والأفعال والسلوكات، كان هذا الحقل هو سوسيولوجيا الانحراف.

يمكن القول أن البدايات الأولى لظهور سوسيولوجيا الانحراف كانت مع المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع إميل دوركايم خصوصا عند كتابته ل” في التقسيم الاجتماعي للعمل” والذي تتطرق فيه إلى الظواهر الشاذة، واعتبر فيه الجريمة من الظواهر التي يمكن اعتبارها شاذة، ليستدرك الأمر بعد ذلك في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع ويعتبر الجريمة من الظواهر العادية باعتبارها تؤدي وظيفة داخل المجتمع.

بيد أن هناك من الباحثين في علم الاجتماع من يعتبرون أن سوسيولوجيا الانحراف لم تظهر إلا خلال فترة الخمسينات من القرن العشرين وارتبطت أساسا بالكتابات الانجلوساكسونية التي ركزت على الانحراف والجريمة والخارجون عن المجتمع والقانون، لكن في حقيقة الأمر لا يمكن الوقوف عند هذا الحد والتسليم به، كما لا يمكن إغفال الكاتبات الأولى في هذا الصدد.
ما معنى أن تكون شخصا منحرفا؟ إن الانحراف لا يمكن ربطه بشخص معين، فعندما نتحدث عن الانحراف فإننا نتحدث عن سلوكات منحرفة، وما يمكن أن يكون سلوك منحرف في مجتمع ما قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر، فالسلوكات المنحرفة هي نسبية، تختلف باختلاف السياق الاجتماعي والثقافي.

وباتالي من هنا سوف نتطرق الى الدراسة التي تناولها الباحثان فيليب روبرت ، جورج كلينز: من خلال مقال لهما “وجهات نظر جديدة في علم اجتماع الانحراف”، والتي تصب في تحليل اختلاف وجهات النظر في تحليل الانحراف والبحث عن أصل اختلاف المنحرف ثم مساءلة تكوينه البيوأنتروبوجي وشخصيته انطلاقا من مجموعة من المدارس والمقارابات حيث نجد أن هناك مقارابات مثأترة بالمقاربة الثقافية أو الشبه ثقافية وأخرى قطعت مع المقاربات السابقة وأخرى حاولت التوفيق بين تلك التي كانت منتشرة سابقا وما هو موجود اليوم ، وأيضا أراد المؤلفان إظهار تأثير الوصم والإتجاه التفاعلي في التوجه الحديث لعلم اجتماع الانحراف وعلم الإجرام. حيث يشددان على حقيقة أنهم لا يدرسون الانتقال إلى الفعل، ويبحثون عن ما يجعل الانحراف مختلفًا حسب تكوين الأفراد، أو شخصيتهم أو بيئتهم ، أكثر من رد الفعل الاجتماعي اتجاههم.

تنظر المقاربة شبه الثقافية التي ينتمي لها كل من “bells ;buckner ” الى سوسيولوجيا الانحراف باعتبارها الحقل العلمي الذي يهتم باختلال التنظيم الاجتماعي أو اللاتنظيم الاجتماعي، فالانحراف حسب دوركايم ينظر له على أن له وظيفة اجتماعية والتي تتطور من خلال لعبة التفاعلات حسب بيكر ” ويجب التعامل معها بحياد من خلال تركيز على مفاهيمه الثلاث (المشكلات الاجتماعية ، الانحراف و الثقافات الفرعية ) سوف يعرف الانحراف على أنه يعارض هذه المشكلات الاجتماعية.

يعد الانحراف عملية اجتماعية طبيعية مفيدة للمجتمع ويفيد دورة التحكم والضبط الاجتماعي في مستوياتها الثلاث العلائقية و الشخصية و الرسمية ، ولعل هذا ما تطرق له إيميل دوركايم من خلال تفسيره وتوضيحه لأهمية الجريمة في ظهور الأخلاق والقانون المنظمة للمجتمع، فالقوانين لا تظهر من تلقاء نفسها وأنما تظهر من خلال وجود مجموعة من الاختلالات في المجتمع ، وبالتالي تكون القوانين بمثابة اليات منظمة للسير العادي للمجتمع وضمان استقراره وتوازنه.

كل قاعدة تخلق انحرافا محتملا “فكروزي” يتحدث عن السلوكات المنحرفة باعتبارها صمام الامان لتحريك القواعد وتوحيد المجموعة، من خلال استغلال مناطق الظل التي لا يشملها القانون والتفاوض بين مختلف الفاعلين فعندما يتحد مختلف الفاعلين في التنظيم على سلوك منحرف معين كالتأخر عن العمل فيكون هذا السلوك بمثابة رابط لتوطيد العلاقات .
فاذا كان “بيكر” يرى أن السلوكات المنحرفة لا تعني أشخاص منحرفين بل يعتبر أن السلوكات المنحرفة هي نتيجة رد فعل المجتمع أو الاخرين بمعنى أن المجتمع ينتج قوانينه وقواعده والأدوار النوطة بكل فرد والتوقعات المحتملة لكل واحد ، عن طريق المقاولات الأخلاقية مما يجعل أن أي خروج عن هذه القواعد والمعايير والقوانين انحرافا ، وهو نفس الأمر الذي يوضحه “كوهن” عند حديثة عن نسبية الانحراف ، من خلال الأدوار وتوقعات الادوار وتضارب الادوار.

أما بالنسبة ل” lemert” فهو يعتبر أن الانحراف ينتشر كثيرا في المجتمع بأنواعه وأشكاله المختلفة ، وقد تجري ممارسته بصورة خفية بعيدا عن مرأى الناس مثل مخالفة إشارة المرور ، ويصنف هذا النوع من الانحراف في بداياته بالانحراف الاولي الذي لا يلعب إلا دورا هامشيا في تقدير الأنسان لنفسه ، أما الانحراف الثاني أو الثانوي فهو الذي يقر فيه بعض الناس ويعترفون بأنهم منحرفون فعلا. وفي مثل هذه الحالات يصبح “الوصم” عنصرا أساسيا في هوية الشخص وقد يؤدي الى استمرار السلوك المنحرف وتكثيفه ، الأمر نفسه يوضحه “بيكر” من خلال حديثه على أنواع السلوكات المنحرفة ودرجاتها ، فلا يمكننا أن نعتبر جميع السلوكات منحرفة بنفس الدرجة لسبب بسيط وهو أن ردود الأفعال التي ينتجها المجتمع ليست متساوية فالمجتمع يمكن أن يتساهل مع مخالف المرور ومع متعاطي الكحول … لكن لا يمكن أن يتسامح مع القاتل أو مثلي الجنس أو الارهابي …
وينطلق التصور الوظيفي للانحراف من فكرة أساسية مفادها أن السلوكات المنحرفة ليست سلبية داخل المجتمع خصوصا وأنها تؤدي وظيفة داخل النسق الكلي ” فمرتون” يعتبر الإجرام الأمريكي سلوك شاد لكن هذا الشدود في السلوك لا يرتبط بالفرد بل يرتبط بالمجتمع على اعتبار أن المجتمع هو من ينتج السلوكات الشاذة في حين يصف ” دانيل بيل” الجريمة على أنها أسلوب حياة ويسلط الضوء بشكل خاص على الدور الايجابي للابتزاز في سياسة الأسعار وألعاب الحظ التي استفادة منها حتى الكنيسة ، كما يوضح “كوفمان” في هذا الصدد الكيفية التي ساهم من خلالها الأطباء النفسيون في تطور الأمراض العقلية وذلك من خلال تعريفها وتعيين من يعانون منها .
أما” ليمارت” فيعتبر السلوك المنحرف كدفاع أو هجوم أو تعديل للمشكلات الناتجة عن رد الفعل الاجتماعي للفعل الأساسي فلا يوجد هناك اختلاف في الطبيعة بين العمل الجنسي وأشكاله المخففة على اعتبار أن العمل الجنسي يتميز بثلاث خصائص أساسية وهي وجود العملاء والحياد العاطفي والخدمة المدفوعة.

يطرح ” تشابمان” مجموعة من الاشكالات المتعلقة بالتوزيع التفاضلي لافراد المجتمع والكيفية التي يحكم من خلالها المجتمع ومؤسساته على الافراد المنحرفين وذلك من خلال التوزيع الطبقي مما يشير نوعا ما من التخفي الاجتماعي وذلك من خلال وجود مجموعة التسهيلات والامتيازات التي يخولها لهم القانون والمجتمع ، فوكلاء انفاد القانون أكثر استعدادا لقبول التفسير لسلوكات معينة تخص هذه الطبقة حيث هناك مجرمون محترفون لكنهم ناجحون ولا يمكن تمييزهم عن غيرهم من الاشخاص الناجحين في المجتمع ويمكن أن نقدم مثالا في هذا الصدد يخص الجرائم التي تتعلق بأصحاب الياقات البيضاء، وهناك مجرمون يفشلون في تبرير وتفسير سلوكاتهم المنحرفة يتم الدفع بهم ككبش فداء ووصمهم من طرف المجتمع ، هكذا اذا يمكن القول أن السجن للفقراء والكفالة للأغنياء.

عندما نتحدث عن السجن فإننا لا نتحدث عن مؤسسة تؤهل السجناء بل أنها تزيد من معاناتهم ومشاكلهم حيت يرى “كوفمان” أن السجن يحول السجين الى ميت يتمتع بحياة اجتماعية طبيعية.

يخلص “تشابمان” إلى أن الوظيفة الاجتماعية لوصم عدد من كبش الفداء هي السماح للأخرين بارتكاب الجرائم بشكل سلمي ، فالجرائم التي يرتكبها السياسيين وأصحاب النفوذ ورجال الاعمال هي أكثر ضرر بمساس صحة الافراد والمجتمع ومستقبل الدولة والشعوب، في حين أن الجرائم التي يرتكبها الافراد تجاه بعضهم البعض لا تمس سوى متضرر واحد.وهذا ما تطرق له “كوهن” أيضا حيت أن الكيفية التي يتم من خلالها بناء صورة المجرم في المجتمع تختلف باختلاف العقاب الموجه للمجرم وباختلاف ردة فعل المجتمع حول السلوك المنحرف ، فعندما يقوم شخص ما بسرقة معينة يتم وصمه من طرف المجتمع على أنه لص في حين أن هناك شخص اخر يقوم بسرقة مبلغ كبير إلا ان ردة فعل المجتمع تكون طبيعية وبالتالي لا يتم اسقاط وصم اللص على هذا السلوك.

تعمل وكالات الرقابة الاخلاقية الرسمية على رسم صورة نمطية للمجتمع والتي يتم من خلالها تحديد مجموعة من السلوكات المنحرفة ، فعلى سبيل المثال مدخني المريخوانا حيت يعتبر هذا السلوك منحرفا بالرغم من أنه لا يمس سلامة المجتمع ، بيد أنه يدخل في نطاق السلوكات الغير مرغوب فيها من طرف المقاولين الأخلاقيين ، وفي ذات السياق أصبح هذا السلوك رمز للتمرد بدل النشوة ويتجلى ذلك أساسا في خلق مجموعة من الاستراتيجيات بغرض التحايل على الشرطة وهذا ما يسميه ” ربيرت ميرتون” بالتكيف التمردي.

يوضح ” لكونشينسكي” أن هناك فرق ما بين الموقف والسلوك والرأي والعادة ويعتبر أن المواقف هي في الواقع بنيات لمتغير تابع ، بمعنى أنها تكون محكومة بمجموعة من التجارب والتمثلات المبنية من طرف الافراد والتي يمكن من خلالها التنبؤ بالسلوكات المحتملة ، ويضيف أن الخلط ما بين هذه المفاهيم لا يؤدي سوى الى دراسة علم اجتماع التمثلات بدل علم اجتماع الانحراف ، حيت يعرف الانحراف انطلاقا من وجود معايير ويحددها انطلاقا من ثلاث مؤشرات وهي القيمة المتوسطة ونمطية التغيير، السلوك المتميز.
بناء على ما سبق يمكن القول أن الأبحاث والدراسات السوسيولوجية حول الانحراف قدمت إرثا سوسيولوجيا أصيلا ومتميزا يمكن من خلاله فهم السلوكات المنحرفة والكيفية التي تتغير من خلالها من مجتمع إلى آخر؛ خصوصا وان الانحراف كمفهوم يشير إلى الخروج عن المألوف، والمألوف دائما ما يرتبط بقوانين وقواعد موجودة مسبقا، لذلك فهناك العديد من الأبحاث والدراسات التي تركز كثيرا على الكيفية التي تُبنى من خلالها هذه المعايير والقواعد داخل الجماعات والمجتمعات. فالتصور الذي يقدمه هوارد بيكر يعتبر من بين التصورات الرائدة في هذا المجال خصوصا وانه يعطي أولية كبيرة للسلوكات المنحرفة بدل الأشخاص المنحرفين، فدراسة السلوك لا تولي أهمية للخصائص الفردية للأشخاص ولا تركز كثيرا على بيئتهم بالقدر الذي يجب معرفة الكيفية التي يُبنى من خلالها السلوك المنحرف. فيمكن للطبيب والمحامي والقاضي والأستاذ والجزار والخباز والمتشرد وغيرهم أن تصدر منهم سلوكات منحرفة بالرغم من الاختلاف الطبقي والثقافي والاجتماعي، لذلك لا يمكننا القول أن الشخص المنحرف هو الذي قام بسلوك منحرف، فالسلوك لا يمكنه أن يعكس الشخص في كليته، ولعل هذا ما ركز عليه الكثير من الباحثين في علم الإجرام الذين يعتبرون أن هناك بعض الأشخاص لهم استعداد بيولوجي ونفسي لارتكاب الجريمة.
بينما ننعم بإرث علماء الاجتماع البارزين، يظل هوارد بيكر شخصيةً بارزة في ميدان سوسيولوجيا الانحراف بفضل إسهاماته الرائدة والمحورية. تجمع تلك الإسهامات بين النقد العميق للتصنيفات الاجتماعية المسبقة وتسليط الضوء على دور التفاعل الاجتماعي في تشكيل السلوك الانحرافي.

من خلال تطويره لنظرية الوصم، أسهم بيكر في تحويل النقاشات المتعلقة بالانحراف من التركيز على الفرد نفسه إلى التركيز على تأثير التصنيفات والتفاعلات الاجتماعية على هوياتنا وسلوكنا. بفضل هذا النهج المبتكر والدافع للتفكير بعمق في السياقات الاجتماعية، يُعد بيكر قوة محورية في تطوير تصوّرنا للانحراف وتأثيراته المجتمعية. تتجلى أهمية مساهماته في سوسيولوجيا الانحراف في تشجيعنا على التفكير بأبعاد أعمق حينما نتناول موضوعات السلوك الاجتماعي المختلفة، مما يسهم في تقديم رؤى أكثر شمولًا لتكوين الهويات والتفاعلات الاجتماعية.

لائحة المراجع
• دوركايم اميل ، في التقسيم الاجتماعي للعمل، ترجمة حافظ الجمالي، اللجنة اللبنانية للترجمة، 1982، ص 413
• غيدنز أنتوني، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصايغ، مركز الدراسات والوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى ، 2005، ص 287
• Robert Philippe, Kellens Georges. Nouvelles perspectives en sociologie de la déviance. In: Revue française de sociologie,. pp. 371-395; https://www.persee.fr/doc/rfsoc_0035-2969_1973_num_14_3_2218
• Becker howard, outsiders: STUDIES IN THE SOCIOLOGY OF DEVIANCE, MACMILLAN, P 15
• CHRISTOPHER THORPE, the sociology book,Pengin Random House, 2015, P263

Comments (0)
Add Comment