مسجد الكتبية تحفة معمارية تروي تاريخ مراكش العريق

تُعدّ صومعة الكتبية من أبرز المعالم التاريخية في مدينة مراكش، بل ومن أهم التحف المعمارية في المغرب والعالم الإسلامي. تُجسّد هذه الصومعة فن العمارة الموحدية في أبهى صورها، وتروي تاريخ المدينة من عهد الدولة المرابطية إلى يومنا هذا.

يعود بناء مسجد الكتبية الأول إلى عام 1147م، في عهد الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي، مؤسس الدولة الموحدية، وذلك على أنقاض قصر من العهد المرابطي بعد أن استولى الموحدون على المدينة. ولكن هذا المسجد الأول لم يدم طويلًا، حيث شُيّد مسجد ثانٍ بجواره عام 1158م بأمر من الخليفة أبو يعقوب يوسف، وذلك بسبب أخطاء في تحديد اتجاه القبلة في البناء الأول.

أما الصومعة الشهيرة، فقد بدأ تشييدها عام 1184م في عهد الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور، واكتملت بعد وفاته عام 1199م. وقد أصبحت نموذجًا معماريًا ألهم بناء صوامع أخرى، مثل صومعة حسان في الرباط والخيرالدا في إشبيلية.

يبلغ ارتفاع صومعة الكتبية 77 مترًا، وعرضها 12.8 مترًا، وتتميز بواجهة مزخرفة بالنقوش الهندسية والخزف الأخضر. تم تصميمها وفق الطراز الموحدي الذي يتميز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحد. وتضم الصومعة ست غرف متراكبة، ويؤدي درج داخلي منحدر إلى أعلاها، حيث كان المؤذن يصعد على ظهر حصان أو بغل لرفع الأذان.

وعلى مر القرون، ظلت الكتبية رمزًا للهوية الإسلامية والمعمارية لمراكش. كانت منارة دينية وعلمية، حيث شكلت معلمًا للصلاة والتعليم والتأمل الروحي. كما أنها لعبت دورًا استراتيجيًا في تحديد معالم المدينة، إذ يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، مما جعلها نقطة مرجعية لسكان مراكش وزوارها.

اليوم، لا يزال مسجد الكتبية قائمًا ويستقبل المصلين يوميًا، بينما أصبحت صومعته معلمًا سياحيًا يقصده الزوار من مختلف أنحاء العالم. ورغم مرور أكثر من 800 عام على بنائها، لا تزال تحافظ على رونقها وهيبتها، شاهدة على عظمة الحضارة المغربية الإسلامية.

تمثل الكتبية أكثر من مجرد صومعة تاريخية؛ إنها رمز لروح مراكش وعراقتها. وبينما تتغير المدينة وتتطور، تظل الكتبية شامخة، تروي قصة قرون من التاريخ والثقافة والفن الإسلامي الرفيع.

العريقالكتبيةتاريختحفةترويمراكشمسجدمعمارية
Comments (0)
Add Comment