في خطوة تحمل دلالات سياسية وتاريخية عميقة، أعلن مجلس النواب الجزائري تشكيل لجنة خاصة لصياغة مقترح قانون يُجرّم الاستعمار الفرنسي، في إطار مساعي الجزائر لتعزيز الاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت على مدار 132 عاماً من الاستعمار.
ويعود الحديث عن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي إلى عام 2006، حينما طرح كرد فعل على قانون “تمجيد الاستعمار” الذي أقره البرلمان الفرنسي عام 2005، والذي أثار استياءً واسعاً في الجزائر. وعلى الرغم من مرور أكثر من 18 عاماً، لم يتم تمرير هذا القانون حتى الآن، ليظل في طي الأدراج حتى جاءت هذه الخطوة البرلمانية الأخيرة.
تتألف اللجنة البرلمانية المكلفة بصياغة القانون من ستة أعضاء يمثلون مختلف الكتل السياسية، من بينهم نواب عن “جبهة التحرير الوطني”، و”التجمع الوطني الديمقراطي”، و”حركة البناء الوطني”، و”حركة مجتمع السلم”، إضافة إلى المستقلين.
ويرى مراقبون أن إعادة إحياء المشروع في هذا التوقيت يعكس مساعي الجزائر لممارسة ضغط سياسي على باريس، خاصة في ظل التوترات الدبلوماسية القائمة بين البلدين.
منذ استقلال الجزائر عام 1962، ظلّ ملف الذاكرة نقطة خلاف رئيسية بين البلدين. وتشير التقديرات الجزائرية إلى أن الاستعمار الفرنسي أودى بحياة أكثر من 5.6 مليون شخص، إضافة إلى آثار كارثية لا تزال قائمة، مثل التلوث الإشعاعي الناجم عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في صحراء الجزائر بين عامي 1960 و1966.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس النواب الجزائري، إبراهيم بوغالي، أن مشروع القانون ليس مجرد “ورقة ضغط أو مساومة”، بل هو “التزام أخلاقي وتاريخي”، مشدداً على أن المسؤولية الجنائية للاستعمار الفرنسي ستدعم السيادة الجزائرية وتضع باريس أمام استحقاق التعويض وجبر الضرر. كما أشار إلى إمكانية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين الفرنسيين.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية-الفرنسية توتراً غير مسبوق، تفاقم بسبب تغيّر الموقف الفرنسي إزاء قضية الصحراء المغربية، حيث بدا أن باريس تتجه نحو دعم المغرب في هذا الملف، وهو ما أثار غضب الجزائر.
كما زادت حدة الأزمة بسبب قضية الكاتب الفرنكو-جزائري بوعلام صنصال، الذي يواجه حكماً بالسجن 10 سنوات في الجزائر بتهمة المساس بالوحدة الوطنية، فضلاً عن ملف ترحيل المهاجرين الجزائريين من فرنسا، وهو ما رفضته الجزائر.
وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، صرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن الخلاف بين البلدين “مفتعل بالكامل”، مؤكداً أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا تُدار فقط عبر الرئيس إيمانويل ماكرون أو من يفوضه، مثل وزير الخارجية الفرنسي.
يرى محللون أن إعادة إحياء قانون تجريم الاستعمار في هذا التوقيت قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تستخدمها الجزائر للضغط على فرنسا في الملفات العالقة. فمنذ سنوات، ظل الجيش الجزائري يلوّح بملف الذاكرة كلما احتدمت الخلافات بين البلدين، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن هذه الخطوة تهدف إلى دفع باريس نحو تقديم تنازلات، سواء فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية أو المواقف السياسية الفرنسية تجاه قضايا إقليمية.
وفي ظل استمرار التوتر، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الجزائر من المضي قدماً في تمرير قانون تجريم الاستعمار، أم أن هذا المشروع سيظل ورقة سياسية تُستخدم وفق مقتضيات المرحلة؟