يبدو من الصعب الحديث عن تكوين “جمهورية” فوق صحراء مفتوحة دون العودة إلى التاريخ العميق لمنطقة شمال إفريقيا. فالصحراء، بمفهومها الجغرافي، لا تشكّل هوية سياسية قائمة بذاتها، إذ تنتشر الصحاري في شتى أنحاء العالم، من صحراء نيفادا وتكساس في أمريكا، إلى صحراء النقب وسيناء والربع الخالي في الشرق الأوسط، وهي مناطق خاضعة لسيادات واضحة ضمن دول مركزية قائمة.
في السياق المغاربي، تشهد القضية الصحراوية اليوم تجاذبات سياسية تتجاهل الحقائق التاريخية الواضحة. فالصحراء المغربية، الممتدة جنوباً، لم تكن يومًا كيانًا منفصلًا عن الدولة المغربية، بل خضعت منذ قرون لسلطة مركزية ممثلة في الدولة المغربية التي تعود جذورها إلى أكثر من 12 قرنًا من التاريخ المتصل.
ومع الاعترافات المتتالية لقوى دولية كبرى بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، بدءًا من الولايات المتحدة الأمريكية، وصولًا إلى إسبانيا وفرنسا، تتكرّس حقيقة أن ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية” ما هو إلا كيان وهمي مدعوم من أطراف إقليمية لا تخفي طموحاتها التوسعية، وعلى رأسها النظام الجزائري.
الجزائر، التي تأسست رسميًا سنة 1962 بعد حقبة استعمارية طويلة، لم تكن في يوم من الأيام كيانًا سياسيًا موحدًا قبل ذلك، كما تؤكد العديد من الوثائق التاريخية. وتشير شهادات وخرائط من زمن الحماية الفرنسية إلى أن الحدود المغربية كانت تمتد إلى تخوم نهر السنغال جنوباً، بل كانت الإمبراطورية المغربية تتقاطع تاريخيًا مع أراضٍ في الغرب الإفريقي، فيما كانت موريتانيا نفسها جزءًا من هذا الامتداد.
ويرى مراقبون أن دعم الجزائر لجبهة البوليساريو لا يخلو من أهداف جيوسياسية، على رأسها محاولة الحصول على منفذ مباشر للمحيط الأطلسي، وهو ما يجعل من “القضية الصحراوية” وسيلة لخدمة أجندات استراتيجية، لا تتعلق البتّة بحقوق الشعوب في تقرير المصير كما يروّج له.
في هذا السياق، تتصاعد الدعوات داخل المغرب إلى التعامل الحازم مع ما يصفه الشارع بـ”التحركات العدائية من طرف الجزائر”، خاصة في ما يتعلق بمناطق الصحراء الشرقية، التي تعتبرها العديد من الأصوات امتدادًا تاريخيًا للأراضي المغربية.
وفي الوقت الذي يطالب فيه المغرب بضرورة استرجاع مدنه المحتلة (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية)، فإن الموقف الشعبي والرسمي يزداد رسوخًا في رفض أي تفريط في أي شبر من التراب الوطني، سواء في الصحراء الغربية أو الشرقية، مؤكدين أن السيادة المغربية ليست محل تفاوض.
كما تزداد الأصوات الداعية لدعم حركات تحرر في شمال إفريقيا، كالقضية الأمازيغية في منطقة القبائل، وحركات الأزواد والطوارق، باعتبار أن دعم تقرير المصير يجب أن يكون مبدأً شاملاً غير انتقائي.
في النهاية، تظل المملكة المغربية وفية لثوابتها، مستندة إلى تاريخ عريق، وشرعية دولية متنامية، وإجماع داخلي راسخ، عنوانه: لا مساومة على السيادة، ولا رجعة في المكتسبات.