في شوارع المدن الكبرى، وتحديدًا في مدن مثل الدار البيضاء و مراكش …، نشاهد يوميًا دراجات نارية تنسل بين السيارات، يقودها شباب في مقتبل العمر، يرتدون سترات تحمل أسماء شركات التوصيل، يقطعون الأحياء والطرقات بسرعة مدهشة، وبنظرات مشتتة بين الخريطة، والوقت، وأمل الزبون في وصول الطلب “ساخنًا”.
لكن خلف هذه السرعة، تختبئ مأساة إنسانية صامتة.
هؤلاء الشباب لا يختارون السرعة حبًا في المغامرة، بل يُجبرون عليها في سباق غير متكافئ مع الزمن. كل دقيقة تأخير تعني احتمال فقدان تقييم جيد، وربما خصمًا من الأجر، أو حتى إلغاء الحساب بالكامل. في نظام لا يرحم، أصبحت “السرعة” مرادفًا لـ”النجاة”، ولكنها أيضًا أصبحت سببًا في نهايات مأساوية كما حدث مع شاب “Glovo” الذي لقي مصرعه في الدار البيضاء بعد اصطدامه بحافلة أثناء قيامه بتوصيل طلب.
ما لا نراه في الواجهة هو أن أغلب هؤلاء العمال يعيشون أوضاعًا اجتماعية صعبة. بعضهم طلبة يحاولون تمويل دراستهم، والبعض الآخر معيلون لأسر بأكملها، وآخرون عاطلون عن العمل وجدوا في تطبيقات التوصيل فرصة أخيرة للهروب من شبح البطالة.
الواقع يقول إنهم لا يملكون تأمينًا حقيقيًا، ولا ضمانات، ولا حماية اجتماعية، بل فقط “هاتف نقال، دراجة نارية، وتطبيق رقمي” يتحكم في مصيرهم اليومي.
فهل يُعقل أن تصبح لقمة العيش ثمنها الحياة؟
اللوم لا يقع فقط على هؤلاء الشباب الذين يغامرون بأنفسهم، بل علينا جميعًا: الشركات التي تستفيد من جهدهم دون حماية كافية، والزبائن الذين يُقيّمونهم دون وعي بظروفهم، والمجتمع الذي يغض الطرف عن معاناتهم، والدولة التي لم توفر لهم بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا.
علينا أن نعيد النظر في هذا النموذج من “العمل المؤقت” الذي يُصوَّر وكأنه حرية واختيار، بينما هو في الحقيقة استغلال ممنهج لفقر الناس وحاجتهم.
فليكن موت هذا الشاب جرس إنذار… لا نريد أن نعتاد على هذه الأخبار، ولا أن تصبح السرعة عنوانًا دائمًا لكل من يسعى فقط وراء لقمة عيش بكرامة.