هل أصبحت المقاهي المتنقلة عدواً؟ محاربة الفئات الهشة في المغرب تحت غطاء “تحرير الملك العمومي”

ذة. رشيدة باب الزين باريس

في زحمة الحياة اليومية، وفي هوامش المدن المغربية، تجدهم واقفين تحت أشعة الشمس الحارقة أو في البرد القارس، يدفعون عرباتهم الصغيرة، يصبّون القهوة للمارة بابتسامة مجتهدة، ويُعلّقون آمالهم على بضع دريهمات في نهاية اليوم.

إنهم أصحاب “المقاهي المتنقلة”، وفئات معوزة من الأرامل والشباب العاطل، وجدوا في هذا النشاط البسيط وسيلة تحفظ كرامتهم، وتبعدهم عن مستنقعات الانحراف والاعتماد على الغير. لكن، ومنذ شهور، أصبحت هذه الفئة هدفاً مباشراً لحملات السلطات، تحت شعارات من قبيل: “تحرير الملك العمومي” و*”محاربة الفوضى”*.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تحوّل بيع القهوة في زاوية شارع شعبي إلى جرم يُعاقب عليه القانون؟

إن ما يحدث اليوم في عدد من المدن المغربية من مصادرة للعربات، وتغريم الفقراء، وتشريد نساء أرامل، لا يمكن إلا أن يُقرأ كمؤشر خطير على غياب رؤية عادلة ومنصفة في تدبير الفضاء العمومي.

فحين لا تُوفَّر البدائل، ولا تُعطى فرص للعمل الكريم، يصبح قمع هؤلاء نوعاً من الظلم الاجتماعي المُقنّن.

من ينصف الأرامل والنساء الكادحات؟

الصور المؤلمة لأرامل يعشن من بيع الخبز أو القهوة في الشارع، ثم يُجبرن على مشاهدة عرباتهن تُصادر، وسلعهن تُرمى أرضاً، هي صور تُدمي القلب وتطرح تساؤلات صادمة:

* هل أصبح الفقر جريمة؟

* هل نعيش في مغربٍ لا مكان فيه للضعفاء؟

* أين الدولة الاجتماعية التي وعدت بتكافؤ الفرص والعدالة الترابية؟

الملك محمد السادس لطالما عبّر في خطبه عن اهتمامه بالفئات الهشة، وأطلق مبادرات اجتماعية كبرى، في مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

فهل يرضى جلالة الملك أن يُشرد رعاياه من البسطاء؟

هل يعلم فعلاً بما يجري في الأزقة الخلفية، بعيداً عن أعين الكاميرات والبروتوكولات؟

أم أن هناك تقارير لا تُنقل بأمانة، وأصواتاً لا تصل إلى حيث يجب أن تُسمع؟

الملك لا يمكن أن يرضى بالظلم، لكن الواقع على الأرض يُظهر فجوة مؤلمة بين التوجيهات الملكية والتنزيل على مستوى الجماعات المحلية والسلطات الترابية.

لا أحد يعارض التنظيم. الفضاء العمومي يحتاج إلى تأطير. لكن التنظيم لا يعني القمع، ولا يمكن أن يُفرض على حساب لقمة العيش الوحيدة لفئة مقهورة.

يمكن للدولة أن تنظم هذا القطاع، أن تُخصص فضاءات مرخصة، أن تواكب هؤلاء في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن أن ترفع العصا فقط، فذلك ليس حلاً، بل تأجيج لأزمة اجتماعية.

ما يحصل اليوم ليس مجرد قرارات إدارية، بل هجوم على أحلام فئة ضعيفة قررت أن تشتغل بشرف، هؤلاء لا يريدون صدقات، ولا يطالبون بامتيازات كل ما يطلبونه:

“اتركونا نعيش… دعونا نشتغل.”

وفي وطن يتسع للجميع، لا يجب أن يُختزل الأمن في مطاردة بائعة القهوة، بينما تُترك رؤوس الفساد ينعمون في ظل الحماية والنفوذ.

إذا كانت الحرب على الفقر شعاراً، فلتكن بداية من محاربة أسبابه لا ضحاياه.

فالمقهى المتنقل ليس عدو الدولة، بل هو صرخة كرامة في وجه البطالة واليأس.

وإن كنا فعلاً في “دولة الحق والقانون”، فليكن القانون في خدمة العدالة، لا أداة لدهس الفقراء.

أصبحتالعموميالفئاتالمتنقلةالمغربالمقاهيالملكالهشةتحتتحريرعدواً؟ محاربةغطاءفيهل
Comments (0)
Add Comment