عادات مكة المكرمة الرمضانية القديمة… «إذا عشر بشّر» وبداية العدّ التنازلي لبشارة العيد

تحمل مكة المكرمة في ذاكرتها الشعبية رصيدًا غنيًا من العادات الرمضانية التي شكّلت ملامح هوية المجتمع المكاوي عبر الأجيال. ومن بين تلك البصمات المتوارثة، تبرز مقولة «إذا عشر بشّر» كواحدة من أكثر العبارات حضورًا في المجالس مع انقضاء العشر الأوائل من رمضان، حيث كان الأهالي يعتبرون بلوغ اليوم العاشر علامة عبورٍ نحو محطة أقرب إلى العيد.

في الزمن الجميل، لم يكن رمضان مجرد أيام صيام متتابعة، بل كان موسمًا اجتماعيًا وروحيًا متكاملًا. تبدأ الاستعدادات قبل دخوله بأيام، فتُزيَّن البيوت، وتُجهَّز الأطعمة الشعبية، وتتجه القلوب قبل الأجساد إلى أجواء العبادة في الحرم. ومع حلول العشر الأوائل، يعيش الناس مرحلة التكيّف مع نسق الشهر: سهرٌ للقيام، وصباحات يغلب عليها الهدوء، وأسواق تنبض بالحركة قبيل الإفطار.

وحين تنقضي الأيام العشرة الأولى، يردد الكبار بابتسامة رضا: «إذا عشر بشّر». لم تكن العبارة إعلانًا عن نهاية رمضان بقدر ما كانت بشارة رمزية بأن الشهر المبارك يمضي سريعًا، وأن العيد بات أقرب. في المخيال الشعبي المكاوي، كان مرور العشر الأوائل يعني أن أصعب البدايات قد مضت، وأن ما تبقى يُستقبل بخفة روحٍ أكبر وعزيمةٍ أرسخ.

العادات القديمة في مكة كانت تربط الزمن بالشعور الجمعي. الأطفال يبدأون بسؤال ذويهم عن ملابس العيد مع منتصف الشهر، والنساء يتبادلن الحديث عن تجهيز الحلويات التقليدية، فيما يحرص الرجال على مضاعفة الحضور في الحرم خلال العشر الأواسط تمهيدًا للأواخر. وهكذا يصبح انتهاء العشر الأولى بمثابة إشارة غير مكتوبة لانطلاق العدّ التنازلي لفرحة العيد.

كما كان لهذا المثل بُعد تربوي؛ إذ يعلّم الصبر ويغرس معنى التدرّج. فمن صبر على بداية الطريق، هانت عليه بقيته. وكان الكبار يذكّرون الصغار بأن العيد جائزة الصائمين، وأن الفرح الحقيقي يأتي بعد اكتمال العبادة لا قبلها. لذلك بقيت «البشارة» مرتبطة بإحساس الإنجاز لا بالرغبة في انتهاء الشهر.

ورغم تغيّر أنماط الحياة وتسارع الإيقاع اليومي، ما زالت هذه المقولة تتردد في البيوت المكاوية وعلى ألسنة كبار السن، شاهدةً على زمنٍ كانت فيه الأيام تُعدّ بالمحبة، وتُقاس بقرب العيد لا بعدد الساعات. إنها جزء من الذاكرة الثقافية لمكة، حيث يمتزج الديني بالاجتماعي، ويصبح المثل الشعبي مرآة لروح المكان.

وهكذا، تبقى «إذا عشر بشّر» أكثر من عبارة تقال في منتصف رمضان؛ إنها بصمة مكاوية أصيلة تختصر فلسفة شعبية ترى في مرور الأيام علامة أمل، وفي نهاية كل مرحلة بشارة بفرحٍ قادم

أمثال شعبيةإذا عشر بشرالتراث المكاويالعشر الأوائلالمجتمع المكيبشارة العيدتقاليد الحجازذاكرة رمضانيةعادات رمضانمكة المكرمة
Comments (0)
Add Comment