الفتنة نائمة، لا لعن الله من أيقظها

الفتنة حين تُوقظها الأيادي الخفية

“الفتنة نائمة، لا لعن الله من أيقظها” — عبارة تختصر مشهدًا يتكرر كلما حاولت مبادرة جديدة أن ترى النور بعيدًا عن حسابات الماضي وأثقاله.

لم تمضِ سوى أيام قليلة على تأسيس الهيئة الشبابية، تلك المبادرة التي وُلدت كخطوة غير مسبوقة داخل المؤسسة الأم، حتى بدأت جوقة الاعتراض تعلو من خارج الأسوار. أصوات مألوفة في خطابها، غريبة في توقيتها، مدفوعة — كما جرت العادة — بخيوط لا تُرى، لكنها تُحرّك الكثير.

هذه الأطراف، التي أنهكتها معارك الأمس، لم تعد تملك من أدوات المواجهة سوى إعادة تدوير نفس الأساليب البالية: التشويش، التضليل، ومحاولة ضرب كل تجربة ناشئة قبل أن تشتدّ عودها. هي نفسها الوجوه التي خاضت صراعات بالنيابة، وراكمت إرثًا من التبعية، ثم وجدت نفسها اليوم خارج معادلة التأثير الحقيقي.

الأخطر من ذلك، ليس في عودتهم، بل في الوسائل التي اختاروها: تجنيد هوامش لا وزن لها، واستغلال منصات بسيطة لأغراض أكبر من حجمها، في محاولة يائسة لإيهام الرأي العام بأن هناك “رفضًا واسعًا”، بينما الحقيقة لا تعدو كونها ضجيجًا بلا صدى.

لقد جفّت أقلامهم من كثرة ما استُهلكت في التطبيل لعقود؛ تارة لليسار، وتارة لليمين، وتارة لما بينهما، دون ثبات على مبدأ أو وفاء لقضية. هم أولئك الذين يُجيدون تغيير مواقعهم أكثر مما يُجيدون بناء موقف. يصلّون مع المصلّين حين تقتضي المصلحة، ويجلسون إلى موائد اللهو حين تتبدّل الرياح.

إن ما يحدث اليوم ليس معارضة بريئة، بل محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطابات التي لفظها الواقع. لكنه زمن مختلف، وجيل مختلف، لم يعد تنطلي عليه هذه الأساليب المستهلكة.

فالرهان الحقيقي لم يعد على من يُجيد إثارة الفتنة، بل على من يملك القدرة على البناء. والتاريخ، كما أثبت مرارًا، لا يرحم من يقتات على الأزمات، ولا يخلّد إلا من يصنع الأمل.

Comments (0)
Add Comment