تشهد الساحة الدولية تحولات لافتة في مواقف القوى الكبرى تجاه التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث باتت واشنطن تواجه فتورًا غير مسبوق في دعم حلفائها التقليديين. هذا التغير لا يعكس مجرد تباين في الرؤى، بل يكشف عن قلق استراتيجي متزايد من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدودها الجغرافية وتؤثر على الاستقرار العالمي.
وفي هذا السياق، اختارت عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وسويسرا، النأي بنفسها عن الانخراط في أي تحركات عسكرية، حيث امتنعت عن السماح باستخدام أجوائها وأراضيها لعبور أو تمركز الطائرات الأمريكية. كما امتد هذا التحفظ ليشمل دولًا في حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى بريطانيا وأستراليا، التي رفضت الانضمام إلى عمليات تأمين الملاحة في مضيق هرمز أو المشاركة في أي تحرك عسكري ضد إيران.
ويؤكد محللون أن هذا التباعد يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا لمخاطر التصعيد، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية وحساسية أسواق الطاقة. كما يعكس رغبة واضحة في تجنب الانخراط في صراع قد تكون كلفته السياسية والاقتصادية باهظة.
من جهته، شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على الطابع الدفاعي لحلف الناتو، معتبرًا أن أي انخراط في عمليات هجومية لا ينسجم مع ميثاقه، لاسيما المادة الخامسة التي تقتصر على الدفاع المشترك في حال التعرض لهجوم مباشر.
وفي باريس، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن بلاده ليست طرفًا في النزاع القائم، مشيرًا إلى أن أي وجود فرنسي في المنطقة يندرج في إطار الحفاظ على الاستقرار لا دعم العمليات الهجومية. كما شددت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاثرين فوتران على أولوية الحلول الدبلوماسية لتفادي التصعيد.
أما في لندن، فقد أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر موقفًا واضحًا برفض الانخراط في أي مواجهة مع إيران، مؤكدًا أن بلاده لن تنجر إلى صراع لا يخدم مصالحها المباشرة.
وفي روما، عبّرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني عن رفضها لتحمل أوروبا تبعات قرارات أحادية، معتبرة أن السياسات الأمريكية لا يمكن أن تُفرض على شركائها الأوروبيين.
هذا التراجع في الدعم الدولي يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة، حيث تتقلص خياراتها العسكرية في ظل غياب التسهيلات اللوجستية والدعم السياسي، ما يدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجيتها، والتركيز بشكل أكبر على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج الأوروبي قد يسهم في كبح جماح التصعيد، ويفتح المجال أمام مقاربات أكثر توازنًا، تراهن على الحوار بدل المواجهة، في منطقة لم تعد تحتمل صراعات جديدة.