دواي تيفي – متابعة
أعاد قرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة فتح نقاش قانوني ودستوري حول حدود الرقابة السابقة، وما إذا كان التصريح بتعذر البت في إحالة لسبب إجرائي يمنع إعادة تقديم النص ذاته إلى المحكمة قبل صدور الأمر بتنفيذه.
وكانت المحكمة الدستورية قد انتهت، في قرارها رقم 277/26، إلى التصريح بـ«تعذر البت في الإحالة… على حالها»، بعدما تبين لها أن رسالة الإحالة التي وجهها رئيس مجلس النواب لم تكن مرفقة بنسخة مطابقة لأصل النص النهائي للقانون، كما وافق عليه مجلس المستشارين خلال القراءة الثانية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، لكون المحكمة لم تنتقل إلى دراسة مدى مطابقة مقتضيات القانون رقم 66.23 للدستور، سواء من حيث مطابقتها أو مخالفتها له، وإنما توقفت عند عائق إجرائي حال دون ممارسة الرقابة الدستورية على النص في صيغته النهائية.
وتستند الرقابة السابقة، وفق الفصل 132 من الدستور، إلى إحالة القوانين على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، وهو ما يجعل وجود النص النهائي الذي أقره مجلسا البرلمان عنصراً أساسياً حتى تتمكن المحكمة من مباشرة اختصاصها الدستوري.
ومن هذه الزاوية، يطرح القرار سؤالاً قانونياً بارزاً: هل يؤدي تعذر البت في إحالة بسبب نقص الوثائق إلى استنفاد إمكانية إحالة القانون من جديد، أم أن إعادة الإحالة تظل ممكنة طالما لم يصدر الأمر بتنفيذ القانون؟
وتذهب قراءة قانونية إلى أن القرار لا يحمل في حد ذاته حكماً موضوعياً بشأن دستورية القانون، وبالتالي لا يمكن اعتباره قراراً قضى بمطابقة النص للدستور أو بعدم مطابقته. كما أن حجية قرارات المحكمة الدستورية، المنصوص عليها في الفصل 134 من الدستور، ينبغي أن تقرأ في حدود المسألة التي فصلت فيها المحكمة فعلياً.
وبناء على ذلك، فإن إعادة الإحالة، في حال استيفائها للشروط القانونية والإجرائية، لا تبدو بالضرورة بمثابة طعن في القرار السابق أو محاولة لإعادة النظر فيه، وإنما يمكن أن تشكل إحالة جديدة لنص لم يسبق للمحكمة أن فحصت دستوريته من الناحية الموضوعية.
ويبرز هنا أيضاً الفرق بين إعادة النظر في قرار صادر عن المحكمة الدستورية وبين إعادة إحالة نص قانوني لم يتم البت في دستوريته؛ فالأولى تتعلق بمراجعة قرار قضائي نهائي، بينما الثانية تتعلق بإحالة جديدة تستهدف تمكين المحكمة من ممارسة اختصاصها الرقابي، متى ظل الشرط الزمني المنصوص عليه دستورياً قائماً.
كما أن الفصل 132 لا يربط الرقابة السابقة، في صيغته المشار إليها، بانتهاء الولاية التشريعية، وإنما يجعل الحد الزمني الأساسي هو صدور الأمر بتنفيذ القانون. ومن ثم، فإن القول بأن الإحالة الأولى تستنفد نهائياً إمكانية إحالة النص ذاته، رغم عدم فحص دستوريته موضوعياً، يظل بحاجة إلى سند دستوري أو قانوني صريح يقرر هذا الأثر.
وعليه، يبرز خيار إعادة إحالة القانون رقم 66.23، من طرف جهة مخولة دستورياً، مع استكمال الوثائق المطلوبة وإرفاق النص النهائي الذي أقره البرلمان، باعتباره المسار الأكثر وضوحاً لتجاوز الإشكال الإجرائي الذي حال دون البت في الإحالة الأولى، وذلك ما دام الأمر بتنفيذ القانون لم يصدر.
في المقابل، يبقى الحسم النهائي في مدى إمكانية إعادة الإحالة من اختصاص المحكمة الدستورية نفسها، باعتبارها الجهة المخولة بتفسير شروط ممارسة رقابتها السابقة وتحديد الآثار القانونية المترتبة عن قرارها رقم 277/26.
وهكذا، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بمصير القانون رقم 66.23، وإنما بحدود الرقابة الدستورية السابقة نفسها: هل يمكن لخلل إجرائي في إحالة أولى أن يغلق باب الرقابة نهائياً، أم أن الدستور يتيح تصحيح المسار وإعادة عرض النص ما دام لم يدخل حيز التنفيذ؟ سؤال قانوني ودستوري مرشح لمزيد من النقاش خلال المرحلة المقبلة.