أنا مرئية :
وحدي أراني
تنصهرُ أنايَ،
تكادُ تسحقني سيارة،
أُجاوبها بغتة،
بيدي مشيرة،
للعفوِ طالبة.
متى تحرّكت؟
للتوِّ وقفت؟
متى سكنت؟
عذرًا…
فلم تهدأ أبدًا
مدينةٌ قانطة،
من سكانها نافرة،
تشهقُ أبراجُها علوا،
تزفُّ خبرًا
في كلِّ ناحية،
للأسيادِ والقيّاد،
وللأعوانِ رواية،
في المذياع،
أو في الشاشةِ الباهتة،
أو مرورًا خاطفًا
في حافلةٍ مكدّسة.
بين واقعٍ وأحلام،
زجاجة
لا تقبلُ انكسارا،
خطواتٍ متسارعة،
للعملِ خاضعة،
أسمعُ ولا أرى،
وأمضي… دونَ وجهة.
يتوحّدُ البوقُ فجأة،
في ضوضاءَ عارمة،
مع صوتِ الترام،
تتعطّلُ السيارة،
ولا يتعطّلُ البوق،
داخل المدينة
نعودُ غرباء،
لأننا كنّا غرباء
داخلَ المدينة.
وجوهٌ كثيرة،
وأرواحٌ وحيدة،
وكلُّ عينٍ
في وجهتها ماضية،
ولا عينٌ
إلى وجهي ناظرة.
في المقهى
يغيبُ مقعدي،
ولا أحدَ ينظرُ لوجهي،
لا تأمّلٌ يهدّبُ روحي،
ولا نظرةٌ عابرة
تُرمّمُ شيئًا
من وحدتي
في الشارعِ مسيرة،
وضباطُ الصفِّ
في وجهةٍ موحّدة،
ينقصُهم الحذاءُ
لخوضِ ماراثونٍ
بلا نهاية.
مهلًا…
أيها المارُّ في طريقي،
قفْ ثانية،
حدّقْ في وجهي،
حيّني تحية،
قدّمْ بسمة،
ولا تجعلني جامدة.
فأنا مرئية،
وبعينكَ مجردة
أنا حاضرة،
وبابتسامتي
أبلغُكَ رسالة،
واضحة،
مباشرة:
أريدُ نظرةً عميقة،
فأنا لستُ عدمية،
ولا ظلًّا في زحمة،
فأنا امرأة،
موجودة،
ولي روحٌ حاضرة.
والتاريخِ،
يذكرني كإنسانة.
فيا عابرًا،
قل لي سلامًا،
ولا تجهلني…
رجاء.