دواي تيفي: سلمى القندوسي
هناك لحظات لا يعود فيها الصمت خياراً مناسباً، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالثقافة، بالكتاب، وبحق الكُتّاب الشباب في الوصول إلى المؤسسات والجوائز الوطنية بأيسر الطرق وأكثرها انسجاماً مع زمننا.
أكتب اليوم لا باعتباري مترشحة لجائزة المغرب للكتاب فقط، وإنما باعتباري كاتبة وإعلامية ثقافية تنتمي إلى جيل يعيش التكنولوجيا كل يوم، ويؤمن بأن الإدارة الثقافية مطالبة أيضاً بأن تتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها العالم.
السؤال بسيط: كيف يمكن أن نتحدث عن تحديث المشهد الثقافي، وتشجيع القراءة والكتاب والشباب، بينما تظل عملية الترشح لأهم جائزة وطنية في مجال الكتاب مرتبطة بالنسخ الورقية والإيداع الحضوري؟
إعلان الدورة السابعة والخمسين لجائزة المغرب للكتاب برسم سنة 2026 واضح: الجائزة مفتوحة للكتب الصادرة سنة 2025، سواء صدرت بالمغرب أو بالخارج، شريطة إيداعها بصورة قانونية. لكن ملف الترشيح يشترط، من بين وثائقه، ثماني نسخ من الكتاب، مع إرسال أو إيداع الترشيحات لدى مكتب الضبط بمديرية الكتاب والخزانات والمحفوظات بالرباط.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي. ماذا يفعل الكاتب المغربي الشاب الذي نشر كتابه خارج المغرب؟ ماذا يفعل حين يكون الكتاب متاحاً بصيغة إلكترونية، وحين تكون دار النشر خارج المغرب، وحين يتعذر شحن ثماني نسخ ورقية في الوقت المحدد؟ هل يصبح الكتاب، لمجرد أن نسخه الورقية لم تصل في الوقت المناسب، أقل قيمة أدبية أو فكرية وهل تصبح المسافة الجغرافية بين الكاتب ودار النشر عائقاً أمام حقه في الترشح لجائزة وطنية يفترض أن تحتفي بالإبداع المغربي أينما صدر؟
الأمر هنا لا يتعلق برفض الكتاب الورقي أو إلغاء النسخ المطبوعة. الكتاب الورقي له قيمته، والتحكيم الجاد يحتاج إلى آليات واضحة وموثوقة. لكن في المقابل، لا يمكن أن نتجاهل أن العالم دخل منذ سنوات مرحلة مختلفة تماماً من التعامل مع المعرفة والوثائق والمحتوى الثقافي.
الملف الإلكتروني لم يعد استثناءً. والكتاب الرقمي لم يعد هامشياً. والإدارة الرقمية لم تعد ترفاً. بل إن المفارقة تكمن في أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل نفسها تعتمد الترشيح الإلكتروني حصراً في بعض برامج دعم مشاريع النشر والكتاب، وتقدم ذلك في إطار تسهيل الخدمات وتجويد العمل الإداري.
والأكثر دلالة أن جائزة المغرب للكتاب نفسها عرفت في دورة سابقة، سنة 2020، إمكانية إرسال الكتب بصيغة PDF عبر منصة إلكترونية مخصصة للترشيح.
إذن، السؤال ليس: هل التكنولوجيا ممكنة؟ لقد ثبت أنها ممكنة.
السؤال هو: لماذا لا تصبح قاعدة واضحة ومستقرة في الترشيح لجائزة المغرب للكتاب؟
نحن أمام جائزة وطنية عريقة، وليست أمام مسابقة عابرة. ومكانة الجائزة تفرض عليها أن تكون في مستوى التحولات التي يعرفها قطاع الكتاب والنشر.
وليس من المنطقي أن نقول للكاتب: كتابك المنشور خارج المغرب مقبول من حيث المبدأ، ثم نضع أمامه عقبة عملية عندما يتعذر وصول النسخ الورقية من الخارج. هذا هو التناقض الذي ينبغي مناقشته بهدوء ومسؤولية.
فالاعتراف بالكتاب المنشور خارج المغرب يجب أن يرافقه حل إداري وتقني واقعي يمكّن صاحبه من الترشح فعلياً، لا أن يبقى الاعتراف نظرياً بينما تصطدم المشاركة بعائق لوجستي.
لسنا ضد الورق.. نحن مع الاختيار
لا أطالب بإلغاء النسخ الورقية، ولا أطالب بتجاوز شروط الجائزة. ولا أطالب بمعاملة خاصة لكاتب دون غيره. بل أطالب بشيء أبسط بكثير:
إتاحة مسار إلكتروني رسمي للترشح.
منصة يتم من خلالها تحميل:
▪︎طلب المشاركة؛
▪︎بطاقة المعلومات؛
▪︎السيرة الذاتية؛
▪︎بطاقة التعريف؛
▪︎الكتاب بصيغة PDF؛
▪︎وثائق النشر والإيداع القانوني؛
▪︎وكل الوثائق التي تراها لجنة الجائزة ضرورية.
ثم يمكن، عند الحاجة، طلب نسخ ورقية من الأعمال التي تصل إلى مرحلة معينة من التحكيم، أو اعتماد آلية تضمن للجنة الوصول إلى النسخة الورقية دون أن تكون النسخ الثمانية شرطاً يحول دون مجرد المشاركة.
هذا ليس مستحيلاً. بل هو، في رأيي، الحد الأدنى من التحديث الذي تستحقه جائزة بهذا الحجم.
لماذا لا نتعلم من التجارب العربية؟؛نحن اليوم أمام جوائز ثقافية عربية كبرى طورت آليات استقبال المشاركات والوثائق، واستثمرت في الأدوات الرقمية لتوسيع دائرة الوصول إلى المبدعين.
وجائزة الشارقة للإبداع العربي، مثلاً، تعتمد استمارة للمشاركة ومرفقات إلكترونية، وتتيح استقبال المشاركات من مختلف الدول العربية، مع تحديد الوثائق المطلوبة وآليات التقديم.
المسألة إذن ليست منافسة بين المغرب ودول أخرى. بل هي دعوة إلى الاستفادة من التجارب الناجحة وتكييفها مع واقعنا المغربي.
فنحن لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة؛ نحتاج فقط إلى أن نقرر أن الثقافة أيضاً تستحق التحول الرقمي.
“جيل جديد يطالب بحقه في جائزة وطنية أكثر انفتاحاً”
أنا من جيل تربى في زمن الإنترنت، والوثيقة الإلكترونية، والمنصات الرقمية، والكتاب الذي يمكن أن يصل إلى قارئ في مدينة أخرى خلال ثوانٍ.
هذا الجيل لا يريد أن يلغي الماضي، لكنه لا يريد أيضاً أن يبقى أسير، إجراءات لم تعد تواكب واقعه، نحن جيل يريد أن يشارك، أن يكتب، أن ينشر، أن ينافس، وأن يصل إلى المؤسسات الثقافية الوطنية دون أن تكون المسافة بين مدينة وأخرى، أو بين المغرب ودار نشر في بلد آخر، سبباً في تعقيد المشاركة.
نحن لا نطالب بامتيازات، نطالب بتحديث المساطر، ولا نطالب بتجاوز القانون، نطالب بتطوير آليات تطبيقه بما ينسجم مع العصر، ولا ننتقد من أجل الانتقاد. بل نطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الرقمنة حاضرة في قطاعات كثيرة من الإدارة والثقافة، فلماذا لا تكون حاضرة بشكل كامل في مسار الترشح لجائزة المغرب للكتاب؟
من موقع الكاتبة والإعلامية الثقافية، ومن موقع شابة مغربية تؤمن بأن الثقافة المغربية قادرة على أن تكون أكثر انفتاحاً ومرونة، أتوجه إلى الجهة المعنية بمطلب واضح:
حدّثوا عملية الترشح لجائزة المغرب للكتاب، افتحوا منصة إلكترونية رسمية، اسمحوا بإيداع الكتاب PDF والوثائق إلكترونياً، و فروا آلية للتوقيع والتحقق الرقمي، وأتيحوا للكاتب إمكانية تتبع ملفه إلكترونياً، و اجعلوا النسخ الورقية مرحلة لاحقة عند الحاجة، لا حاجزاً أولياً أمام المشاركة.
فالجائزة التي تحتفي بالكتاب ينبغي أن تكون أيضاً نموذجاً في تسهيل الوصول إلى الكتاب وأصحابه.
إن تحديث مسطرة الترشح ليس مجرد تفصيل إداري؛ إنه رسالة إلى الشباب المغربي بأن المؤسسات الثقافية تسمعهم، وتفهم زمنهم، وتريد أن تفتح لهم الأبواب لا أن تزيد أمامهم العوائق.
نريد جائزة المغرب للكتاب في مستوى تاريخها، وفي مستوى الكتاب المغربي، وفي مستوى الجيل الجديد من الكُتّاب.
والتحديث هنا ليس مطلباً مؤجلاً؛ إنه مطلب اليوم.