سبتة ومليلية بين الإرث الاستعماري والمطالب المغربية.. أسئلة السيادة وحقوق الإنسان تعود إلى الواجهة

تتجدد النقاشات بشأن الوضع التاريخي والسياسي لمدينتي سبتة ومليلية، في ظل استمرار الخلاف حول السيادة عليهما بين المغرب وإسبانيا، وما يرتبط بهذا الملف من قضايا الذاكرة الاستعمارية، والعلاقات الثنائية، وتدبير الحدود والهجرة غير النظامية.

وتعود جذور الوجود الإسباني في المدينتين إلى مراحل تاريخية سابقة لتشكل العلاقات المغربية الإسبانية بصيغتها الحديثة؛ إذ سيطرت البرتغال على سبتة سنة 1415، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني سنة 1668، بينما خضعت مليلية للسيطرة الإسبانية سنة 1497. ومنذ ذلك الحين، ظل وضع المدينتين موضوعاً للخلاف التاريخي والسياسي، في وقت تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها، ويتمسك المغرب بموقفه المطالب باسترجاعهما.

ارتبط التوسع الإسباني والبرتغالي في شمال إفريقيا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر بمنافسة القوى الأوروبية على الموانئ والمواقع الاستراتيجية. كما شكلت حرب تطوان، التي اندلعت بين المغرب وإسبانيا سنة 1859، إحدى المحطات البارزة في تاريخ العلاقات بين البلدين، وانتهت بمعاهدة سنة 1860 فرضت على المغرب التزامات إقليمية ومالية في سياق اختلال واضح في موازين القوة.

ولا يزال الإرث التاريخي لهذه المرحلة حاضراً في النقاشات المرتبطة بسبتة ومليلية، خصوصاً في ظل استمرار المطالب المغربية بتسوية الملف عبر المسارات السياسية والدبلوماسية.

وفي المقابل، تؤكد إسبانيا تمسكها بسيادتها على المدينتين، وهو ما يجعل القضية من الملفات الحساسة التي تتطلب معالجة تأخذ بعين الاعتبار خلفياتها التاريخية وتداعياتها على العلاقات بين البلدين.

إلى جانب قضية السيادة، تمثل سبتة ومليلية نقطتين محوريتين في تدبير الهجرة من شمال إفريقيا نحو أوروبا، حيث يحاول مهاجرون مغاربة وأجانب الوصول إلى الأراضي الأوروبية عبر الحدود البرية أو المسارات البحرية، في ظروف قد تنطوي على مخاطر جسيمة.

وترتبط دوافع الهجرة بعوامل متعددة، من بينها البطالة، والهشاشة الاجتماعية، وتفاوت الفرص الاقتصادية، فضلاً عن تطلعات الشباب إلى تحسين أوضاعهم المعيشية.

وتطرح إدارة الحدود تحديات متعلقة بالتوازن بين مراقبة الهجرة واحترام الحقوق الأساسية، بما يشمل حماية الأشخاص من المعاملة المهينة، وضمان الرعاية اللازمة للمحتاجين إليها، والتحقيق في حالات الوفاة أو الاختفاء، وتحديد هويات الضحايا وإبلاغ أسرهم، وتسليم الجثامين وفق الإجراءات القانونية والإنسانية المعمول بها.

أما الأرقام المتداولة بشأن وقوع محاولات عبور جماعية يوم 30 يوليوز 2026، ومشاركة نحو 60 ألف شخص ووفاة قرابة مئة مغربي، فلا يمكن اعتمادها باعتبارها حقائق ثابتة من دون بيانات رسمية أو تقارير مستقلة تؤكدها.
يضع ملف الهجرة السلطات المغربية والإسبانية أمام مسؤوليات مشتركة تتجاوز التنسيق الأمني إلى ضمان احترام الكرامة الإنسانية، والتعامل مع المهاجرين وفق القوانين والاتفاقيات ذات الصلة.

ويشمل ذلك ضرورة التحقق من أي ادعاءات بشأن سوء المعاملة أو ظروف الاحتجاز غير الملائمة أو العنف الجنسي، وفتح تحقيقات مستقلة عند الاقتضاء، وضمان وصول الضحايا إلى الحماية والإنصاف.

كما تظل مسألة تحديد هويات المتوفين وإعادة جثامينهم إلى أسرهم من القضايا الإنسانية التي تستوجب التعاون بين المؤسسات المختصة، بما يحفظ حقوق العائلات ويصون كرامة الموتى.

وفي هذا السياق، فإن أي زيارة رسمية أو تحرك سياسي يرتبط بملف الحدود ينبغي أن يراعي حساسية الأوضاع الإنسانية، وأن يساهم في خفض التوتر وتعزيز الثقة بين الجانبين،تتداخل قضية سبتة ومليلية مع جوانب أخرى من العلاقات المغربية الإسبانية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، الذي شكل على مدى عقود أحد أبرز محاور الخلاف الدبلوماسي بين البلدين.

وقد خلف الوجود الإسباني السابق في الصحراء آثاراً سياسية وتاريخية استمرت بعد انسحاب إسبانيا سنة 1975، بينما يواصل المغرب الدفاع عن موقفه من قضية الصحراء في المحافل الدولية.
وتبرز هذه الملفات أهمية معالجة القضايا التاريخية العالقة ضمن مقاربة سياسية متوازنة، تقوم على الحوار واحترام المصالح المتبادلة، مع عدم إغفال مطالب السيادة والذاكرة الوطنية لدى كل طرف.

إن استمرار الخلاف حول سبتة ومليلية يؤكد أن بعض الملفات الموروثة عن التاريخ لا تزال تؤثر في العلاقات بين الدول، حتى في ظل التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي القائم بينها،وبين تمسك إسبانيا بسيادتها على المدينتين ومطالب المغرب بشأن مستقبلهما، تظل الحاجة قائمة إلى نقاش مسؤول يستند إلى الوقائع التاريخية والقانونية، بعيداً عن التصعيد أو توظيف المعاناة الإنسانية في التجاذبات السياسية.

كما أن حماية المهاجرين، واحترام كرامة الضحايا، وتعزيز التعاون في القضايا الإنسانية، تمثل التزامات ينبغي التعامل معها بصورة مستقلة عن الخلافات السيادية،ويبقى التحدي الأساسي أمام الرباط ومدريد هو إيجاد سبل لتدبير خلافاتهما التاريخية والسياسية دون الإضرار بمصالح الشعبين، مع استمرار النقاش حول الملفات التي لم تجد بعد تسوية تحظى بقبول الطرفين.

دواي تيفي | www.douaytv.com

التاريخ الاستعماريالدبلوماسيةالسيادة المغربيةالصحراء المغربيةالعلاقات المغربية الإسبانيةالمغرب وإسبانياالهجرة غير النظاميةتدبير الحدودحقوق الإنساندواي تيفيسبتة ومليليةشمال إفريقيا
Comments (0)
Add Comment