الفرجة أفقًا لتحرير الذاكرة…قراءة نقدية في مسرحية «سيرة بنت بوغطاط»
دواي تيفي ☆حسن البوهي ☆
شهدت الساحة المسرحية المغربية لهذه السنة عرض مجموعة من الأعمال الفنية المتباينة على مستوى الكتابة الركحية والرؤية الفنية والإخراجية، وفي هذا السياق أثارتني مسرحية «سيرة بنت بوغطاط» لفرقة ورشة الابداع دراما التي تدخل ضمن التجارب المسرحية التي جعلت من التراث الشعبي مادة لإنتاج خطاب جمالي وفكري معاصر.
إذ يكشف هذا العمل عن وعي دراماتورجي اتخذ من الحلقة إطارًا لبناء الحكاية وفق منظومة دلالية تتقاطع داخلها الذاكرة الجماعية مع أسئلة السلطة والهوية والعدالة الاجتماعية. وتؤكد هذه المقاربة استمرار الرهان الذي ميز تجربة ورشة الإبداع دراما في استثمار الموروث الثقافي المغربي ضمن رؤية مسرحية حديثة.
يقوم البناء الدرامي على سيرة “كعب غزال”، وهي شخصية نسائية تشكلت ملامحها وسط فضاء اجتماعي تتحكم فيه الفاقة والعنف والاستغلال. وتتخذ السيرة بعدًا إنسانيًا عامًا مع تطور الأحداث، انطلاقا من تجربة فردية لتنفتح على مصير جماعي تعيشه المرأة داخل بنية اجتماعية تحاصر وجودها منذ الطفولة. وتغدو الشخصية حاملًا لرؤية فكرية تتجاوز حدود الحكاية لتلامس أسئلة الكرامة والحرية والحق في امتلاك الصوت.
يكشف النص عن بناء دراماتورجي يقوم على انتقال السلطة السردية من الحكواتيين إلى البطلة نفسها. ويمنح هذا التحول العرض طاقة تأويلية كبيرة، ذلك ان السيرة تنتقل من خطاب يرويه الآخر إلى خطاب تصوغه صاحبة التجربة. وتنتج هذه المفارقة توترًا دراميًا يجعل فعل الحكي جزءًا من الصراع، ويحول الذاكرة إلى مجال للمواجهة بين الخطاب المهيمن والخطاب المضاد.

تتأسس البنية الدرامية على تقنية المسرح داخل المسرح، حيث تتحول الحلقة إلى فضاء تتجاور فيه مستويات متعددة من التمثيل. وتسمح هذه التقنية بكشف آليات صناعة الفرجة، كما تضع المتلقي أمام وعي مزدوج يجمع بين متابعة الحكاية وتأمل وسائل إنتاجها. ويقترب هذا الاختيار من التصورات الدراماتورجية التي تنظر إلى المسرح باعتباره ممارسة نقدية تنتج أسئلتها من داخل فعل التمثيل.
يتوزع الزمن المسرحي على محطات متعاقبة من حياة البطلة، فتتشكل بنية سردية تعتمد الاسترجاع والاستباق والانتقال الحر بين الأمكنة والأزمنة، ويسهم هذا التفكيك في بناء إيقاع متغير يحافظ على حيوية العرض، ويمنح الوقائع بعدًا تأويليًا يحررها من التسلسل الحكائي التقليدي.
تؤدي الشخصيات وظيفة رمزية تتجاوز حدود التمثيل الواقعي، فالحكواتيون الأربعة يجسدون سلطة الخطاب الشعبي الذي يصوغ صورة المرأة داخل المخيال الجمعي، بينما تمثل “كعب غزال” إرادة استعادة الذات عبر الكلمة والفعل، ويتحول الصراع إلى مواجهة بين رؤيتين للعالم: الأولى تعيد إنتاج الخضوع، والثانية تؤسس لوعي جديد بالحرية والكرامة.
تكتسب اللغة المسرحية كثافتها من تفاعل المرجعية الشعبية مع البناء الشعري للخطاب، فالحوار يستثمر الإيقاع الشفهي، ويحافظ على صلته بالثقافة المغربية، ويحقق في الوقت نفسه وظيفة جمالية تفتح المجال أمام تعدد الدلالات، وتمنح هذه اللغة العرض قدرة على مخاطبة الوجدان والفكر داخل نسق تعبيري واحد، مما يؤشر على أن دراماتورجيا التي اضطلع بها الكاتب المسرحي بوبكر فهمي كانت موفقة، وأعطى في الآن ذاته نفسا تعبيريا وتأويليا مكثفا للنص الأصلي لصاحبه سعد الله عبد المجيد.
تكشف الرؤية الإخراجية لعبد العزيز بوزاوي عن انسجام واضح بين التصور الدراماتورجي والإنجاز الركحي، فقد اعتمد الإخراج على تقنية المسرح داخل المسرح، واستثمر فضاء الحلقة بوصفه مركزًا لتنظيم الحركة والعلاقات بين الشخصيات، مع اعتماد انتقالات سلسة بين المشاهد بواسطة الإكسسوارات والملابس والإضاءة، مما ساهم في المحافظة على وحدة الإيقاع، وفي تعزيز حضور الممثل بوصفه العنصر المحوري في إنتاج الدلالة.
يضطلع التشخيص الركحي بمسؤولية كبيرة في هذا العرض، لأن طبيعة الحلقة تفرض قدرة عالية على التحول المستمر بين الشخصيات والمواقف، فيغدو الجسد المسرحي علامة سيميائية متحركة تنتج المعنى بواسطة الحركة والإيقاع والنبرة والإشارة. ويعزز هذا الاختيار حضور الممثل بوصفه مركز الفعل المسرحي، ويجعل الطاقة الأدائية ركيزة أساسية في تشكيل الفرجة عبر أداء مقنع لكل من عبد العزيز بوزاوي، سالم دا بلا، دليلة الحسني، عبد الرحيم ريضا وزهير الزهراوي.
يؤسس العرض علاقة خاصة مع المتلقي تنبع من طبيعة الحلقة باعتبارها فضاءً تواصليًا مفتوحًا، ويشارك الجمهور في بناء الدلالة عبر استحضار مرجعياته الثقافية، كما يساهم في تأويل العلامات التي ينتجها العرض، وتنسجم هذه العلاقة مع جماليات التلقي التي تجعل المعنى حصيلة تفاعل بين النص والعرض والجمهور.

تنتظم المرجعية الفكرية للمسرحية حول سؤال العدالة الاجتماعية، وتستحضر قضايا المرأة من داخل الواقع المغربي دون السقوط في المباشرة الخطابية، وتمنح المعالجة الفنية الأولوية للفعل المسرحي، فتنبثق الأفكار من تطور الشخصيات ومن العلاقات الدرامية ومن العلامات الركحية، الأمر الذي يضفي على الخطاب الفكري بعدًا جماليًا متماسكًا.
تمثل «سيرة بنت بوغطاط» تجربة مسرحية تجمع بين أصالة المرجعية الشعبية وحداثة الرؤية الجمالية. ويؤكد العمل قدرة المسرح المغربي على إعادة إنتاج موروثه الثقافي في صيغة معاصرة تستجيب لأسئلة الإنسان الراهن، وتبرز قيمة هذا العرض في تكامله الدراماتورجي، وفي انسجام عناصره الركحية، وفي قدرته على تحويل السيرة الفردية إلى سؤال إنساني مفتوح حول الحرية والذاكرة والكرامة.

