مثال واضح على ذلك هو الإعلام في العراق خلال فترة سقوط نظام صدام حسين، قبل السقوط، كانت وسائل الإعلام تعمل كأداة دعاية للنظام، تُمجد قيادته وتنكر أي مشاكل داخلية. ولكن مع تغير النظام، تحول جزء من هذه الوسائل إلى الهجوم على النظام السابق وتأييد القوى الجديدة، مما يعكس مدى ارتباطها بالمصالح والضغوط السياسية بدلًا من الالتزام بالموضوعية أو الحقيقة.
وهذا المشهد يتكرر في دول عديدة، حيث يكشف سقوط الأنظمة عن ازدواجية الإعلام وخضوعه للنفوذ بدلًا من التزامه بأخلاقيات المهنة.
الإعلام الفاسد يُعد مرآة للأنظمة التي يخدمها، حيث يتلون بمصالحها ويُغير رواياته بتغير من يمسك بزمام السلطة. وندكر أمثلة إضافية تُظهر تغير الإعلام بتغير الأنظمة:
قبل ثورة 25 يناير، كان الإعلام الرسمي والخاص في مصر يمجد نظام حسني مبارك ويعمل كأداة دعاية تُظهره كرجل الإصلاح والاستقرار. لكن بعد سقوط النظام، تحول الإعلام نفسه إلى مهاجم للنظام السابق وبدأ بتأييد الثورة. لاحقًا، مع تغير الأنظمة في مصر (المجلس العسكري، الإخوان المسلمين، ثم الحكومة الحالية)، كان الإعلام يُبدل ولاءاته ليواكب التغيرات السياسية، ما كشف غياب الاستقلالية والموضوعية.
في عهد القذافي، كانت وسائل الإعلام الليبية مجرد أبواق للنظام، تروج لأفكاره وكتابه الأخضر. لكن بعد سقوطه، انقسم الإعلام بشكل واضح بين القوى المختلفة، وكل جهة تتبنى رواية تدعم مصالحها، مما عكس غياب المهنية وتحوله إلى أداة صراع.
اما خلال الحقبة السوفياتية، كانت وسائل الإعلام أداة مركزية للدعاية، تمجد الحزب الشيوعي وتهاجم الغرب. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تحول الإعلام بسرعة لدعم النظام الجديد في روسيا، مع تراجع الشعارات السابقة، ليصبح أداة بيد السلطة الجديدة.
الإعلام الفاسد لا يمتلك مبادئ راسخة، بل يتغير بناءً على المصالح السياسية والضغوط، ما يُظهر أهمية وجود إعلام مستقل يضع الحقيقة والمهنية فوق كل اعتبار، بغض النظر عن من يحكم.
الإعلام السوري يُعتبر مثالًا بارزًا للإعلام المتلون الذي يخدم النظام الحاكم ويتغير خطابه بتغير الظروف.
قبل 2011، كان الإعلام السوري يُعتبر أداة دعاية خالصة بيد النظام. كانت وسائل الإعلام الرسمية مثل “التلفزيون السوري” و”صحيفة الثورة” و”صحيفة تشرين” تمجد قيادة النظام وتروج لخطابه السياسي والاقتصادي، بينما تحظر أي انتقادات أو أصوات معارضة.
كانت الروايات الإعلامية تتمحور حول “مقاومة الإمبريالية” و”حماية الوطن من المؤامرات الخارجية”، مع تغييب تام لأي مشاكل داخلية مثل الفساد أو القمع.
ومع اندلاع الثورة السورية في 2011، تغيّر خطاب الإعلام الرسمي بشكل جذري. بدأ بتشويه صورة المتظاهرين، ووصمهم بـ”الإرهابيين” و”المندسين”، وزعم أن ما يجري هو مؤامرة دولية. اعتمد الإعلام على التحريض والانحياز الكامل للنظام، مُبررًا القمع العنيف ضد الاحتجاجات السلمية.
وفي المقابل، ظهرت وسائل إعلام جديدة في المناطق المعارضة مثل “قناة أورينت” و”تلفزيون سوريا”، التي حاولت نقل صوت الثورة، لكنها بدورها انقسمت لاحقًا بسبب الضغوط السياسية والتمويل الأجنبي، مما أثر على مصداقيتها.
الإعلام الرسمي: استمر في الترويج للنظام، مستخدمًا عبارات مثل “حرب على الإرهاب” و”الدفاع عن السيادة”، مع إغفال مأساة المدنيين وتجاهل الجرائم المرتكبة بحق الشعب.
الإعلام المعارض: رغم محاولاته لكشف انتهاكات النظام، وقع في فخ الانحياز لصالح الأطراف الممولة، مما أضعف ثقة الجمهور فيه.
الإعلام السوري، بنوعيه الرسمي والمعارض، يعكس حالة الإعلام الفاسد والمتلون. الإعلام الرسمي أثبت ولاءه الأعمى للنظام، بينما الإعلام المعارض افتقد الاستقلالية بسبب التبعية للجهات الداعمة.
هذا يظهر أن الإعلام في ظل الأنظمة الاستبدادية أو في أوقات الأزمات يصبح أداة بيد القوى المسيطرة، بدلًا من أن يكون صوتًا للناس وحارسًا للحقيقة.