في زوايا الشوارع والأسواق العامة، بات من المألوف رؤية أشخاص يعيشون بيننا وهم غائبون عن واقعنا؛ هائمون في عالمهم، أسرى أمراض نفسية مزمنة لم تجد طريقاً للعلاج،مشاهد مؤلمة تختزل فشلاً مجتمعياً ومؤسساتياً في التعامل مع ملف الصحة النفسية، الذي أصبح قضية أمنية وإنسانية بامتياز.
حادثة بن أحمد الأخيرة كانت جرس إنذار صاخب، ذكّرت الجميع بأن تراكمات الإهمال قد تؤدي إلى كوارث، وأن إغلاق مراكز كـ”بويا عمر” دون بدائل حقيقية، وإن كان ضرورة أخلاقية، كشف هشاشة البنية الصحية البديلة.
وزير الصحة والحماية الاجتماعية أقرّ في آخر تصريح له بأن عدد المختصين في الصحة النفسية لا يتجاوز 3.230 مهنياً، موزعين بين القطاعين العام والخاص، في بلد يضم أكثر من 37 مليون نسمة. من بينهم فقط 319 طبيباً نفسياً في القطاع العام، و294 في الخاص، إضافة إلى 62 طبيباً نفسياً للأطفال في القطاع العام، و14 في القطاع الخاص،هذه الأرقام توضح حجم الخصاص المهول، خاصة بالمناطق الفقيرة والنائية.
كما كشف الوزير عن سعي الوزارة لمراجعة القانون المنظم للصحة العقلية، وتوحيد البروتوكولات العلاجية لأمراض مثل الفصام والاكتئاب والسلوك الانتحاري، في محاولة لمواكبة المعايير الدولية.
لكن يبقى السؤال الجوهري: هل تكفي النصوص والمخططات في غياب البنيات التحتية والتنسيق الميداني؟ وهل يمكن معالجة معاناة نفسية متراكمة بتدخلات معزولة لا تشمل التعليم، والإعلام، والمجتمع المدني، والأمن، والجماعات الترابية؟
الوضع بات يتطلب خطة طوارئ وطنية شاملة، تنقذ الأرواح وتحفظ كرامة المصابين، وتعيد الطمأنينة للمجتمع. فالمرضى النفسيون ليسوا مجرد أرقام أو مشاهد مأساوية، بل مواطنون في حاجة إلى احتواء، لا إلى تهميش أو تجاهل.