من ابليس: البيان التالي

من عند أعتاب الحرم، حيث تختلط أصوات المآذن بتكبيرات الحجيج، أكتب إليكم… نعم، أنا إبليس من مكة
لا تندهشوا، فوجودي هنا ليس جديدًا؛ كنت بينكم في أسواقكم حين تفاوضتم على ثمن الوطن، وفي مجالسكم حين تبادلتم الابتسامات فوق خرائط مُقطّعة، وفي فيلاتكم الفاخرة حين كنتم تحصون أرباح الصفقات بينما كان الفقراء يعدّون أيام الجوع.
واليوم أراكم قادمين بثياب الإحرام، بيضاء ناصعة، كأنها ستغطي عتمة تاريخ لا يجرؤ النور على الاقتراب منه.

أراكم تمشون في صفوف الطائفين، ترفعون الأيدي بالدعاء، وكأنكم لم ترفعوها من قبل لتوقيع أوامر مصادرة الأرض.

أعرفكم واحدًا واحدًا… أعرف من باع البحر ومن أهدى الجبل، من أطفأ المصابيح في البيوت، ومن وضع المفتاح في يد الغريب.

بعضكم جاء يبحث عن صورة تُنشر في الصحف، وبعضكم جاء ليضيف سطرًا في سيرته الذاتية: “أدى العمرة”.

تظنون أن زمزم سيغسل أيديكم من المال الحرام، وأن سبعة أشواط ستمحو سبعين خيانة. لكنني، وأنا أعرف الطرق الملتوية إلى القلوب  أؤكد لكم: بعض الأوساخ لا تذوب في الماء، ولو كان ماء الكعبة.
حتى الحجر الأسود، الذي قبّله الأنبياء، يعرف أنكم لم تأتوا بحثًا عن الغفران، بل عن غلاف جديد لأدوار قديمة.

أهل مكة سيحيونكم كضيوف، ولن يمنعوا عنكم التمر والماء، لكنهم لن ينسوا أنكم كنتم بيادق على رقعة شطرنج رسمت خارج حدود  الوطن.

وإذا التقطتم صورًا أمام الكعبة، ستبقى شاهدًا على المفارقة: كيف يمكن أن يقف الخائن في أقدس بقاع الأرض ويظن أن الحجر سيشهد له؟

عودوا أو ابقوا… فالأمر سيان. فالصفقة التي أبرمتموها معي قديمة، وموثقة، ولا تُلغى بمجرّد رحلة عمرة. بل إنني أضمن لكم أن تخرجوا كما دخلتم، إلا أنكم ستعودون إلى أوطانكم محمّلين بسبح جديدة، وعطور فاخرة، وصورٍ تحاول أن تبيع رواية لم يشترها أحد.

الموقّع: إبليس

Comments (0)
Add Comment