في السنوات الأخيرة، أصبح المتلقي المغربي، وهو يتنقل بين الجرائد الإعلامية والمواقع الإخبارية، يكاد لا يعثر إلا على أخبار سوداء: حوادث سير مميتة، جرائم متكررة، صراعات بين الفنانين والمخرجين، فضائح سياسية أو شخصية… وكأن الوطن لا ينتج إلا المآسي.
أمام هذا المشهد، يطرح المواطن البسيط سؤالًا مشروعًا: هل انتهت قصص النجاح؟ هل اختفت المبادرات الخيرية؟ أين الشباب المبدع؟ وأين الوجه المشرق لبلادنا؟
الإعلام ليس مرآة للواقع فحسب، بل هو قوة مُؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة الانطباعات حول الحاضر والمستقبل. وحين يقتصر دوره على تغذية المجتمع بالسلبيات وحدها، فإنه يزرع بذور الإحباط ويُضعف الثقة في النفس والوطن معًا. فالمواطن الذي لا يرى في نشرات الأخبار سوى صور الدم، العنف، الفضائح والتجاذبات السياسية، من الطبيعي أن يفقد الأمل ويشعر بأن كل مجهوداته الفردية تذوب وسط بحر من السواد.
ومع ذلك، الحقيقة غير ذلك تمامًا. في المغرب اليوم، مئات النماذج الملهمة التي تستحق أن تُروى. شباب يبدعون في مجالات التكنولوجيا والابتكار، طلبة يتألقون في المسابقات الدولية، فلاحون صامدون يُبدعون في استغلال الأرض رغم الصعوبات المناخية، جمعيات مدنية تُقدّم خدمات إنسانية واجتماعية دون انتظار مقابل، وفنانون يصرّون على إنتاج أعمال راقية تُعطي للفن قيمته. هذه كلها قصص قادرة على أن تبعث في المواطن الأمل، وأن تُظهر للعالم الوجه الحقيقي للوطن: وطن حيّ، نابض، فيه الخير الكثير.
غير أن هذه الصور المشرقة غالبًا ما تُهمّش لصالح مشاهد الإثارة والسبق الصحفي. ينساق الإعلام، في كثير من الأحيان، وراء منطق “ما يبيع أكثر”، فيغفل مسؤوليته الأخلاقية والمجتمعية. فخبر الفضائح السياسية أو الجريمة يُثير ضجة، ويجلب نسب مشاهدة، لكنه لا يبني وطنًا. بينما قصة نجاح شاب من قرية نائية، أو مبادرة تضامنية في حي شعبي، قد تكون أقل إثارة لحظيًا، لكنها تصنع أثرًا عميقًا وبعيد المدى في النفوس.
إن الإعلام مدعو اليوم إلى الموازنة بين نقل الوقائع بكل تجلياتها، وبين إبراز النماذج الإيجابية التي تحفّز على العمل والعطاء. فالمطلوب ليس تلميع صورة زائفة للوطن، ولا إخفاء المشاكل والتحديات الحقيقية، بل تقديم صورة واقعية متكاملة: نعم هناك مشاكل، ولكن هناك أيضًا من يعمل ويجتهد لمواجهتها.
حين يقتصر الإعلام على ترديد صوت السياسيين والمنتخبين وحدهم، فإنه يوحي بأن الخير والإنجاز محصور في تلك الدائرة الضيقة، بينما الحقيقة أن قوة الوطن تكمن في أبنائه، في المواطن العادي الذي يكافح يوميًا، في الشاب المبدع، في الأستاذ، في الفلاح، وفي العامل. هؤلاء هم الثروة الحقيقية، وهؤلاء يستحقون أن تُسلّط عليهم الكاميرا بقدر ما تُسلّط على السياسيين وأصحاب القرار.
إننا في أمس الحاجة إلى إعلام يصنع الأمل، لا إلى إعلام يرسّخ اليأس. إعلام يضيء الواقع بكل تناقضاته، لكنه يمنحنا أيضًا القدرة على الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل. فالإعلام، كما قال أحد المفكرين، ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو صانع للرأي، وموجّه للبوصلة المجتمعية.
ختامًا، الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل منبر إعلامي هي: “الوطن أكبر من فضيحة، وأوسع من حادثة، وأجمل من صراع عابر”. بلادنا مليئة بالخير، فقط نحتاج إلى من يوجّه الكاميرا نحوه.