اللغة والكلام.. بين النظام والممارسة

يُشكّل التمييز بين اللغة والكلام أحد المفاتيح الأساسية لفهم علم اللسانيات الحديثة، وهو المفهوم الذي وضع أسسه العالم السويسري فرديناند دي سوسير. هذا التمييز لا يقتصر على الجانب الأكاديمي فقط، بل يساعدنا على فهم طبيعة التواصل الإنساني باعتباره نشاطاً يقوم على نظام مشترك من جهة، وعلى ممارسات فردية من جهة أخرى.

فاللغة هي البنية المجردة التي يتقاسمها أفراد المجتمع، وتشمل القواعد النحوية، والمفردات، والأصوات. هي بمثابة دستور غير مكتوب ينظم عملية التواصل ويضمن استمراريتها. لذلك، تظل اللغة ظاهرة اجتماعية، ثابتة، ومشتركة، لا ترتبط بشخص بعينه، وإنما بالجماعة اللغوية ككل.

أما الكلام، فهو التجسيد العملي لهذا النظام. إنه الأداء الفردي الذي يقوم به كل متحدث حين يوظف اللغة في حياته اليومية. كل جملة تُنطق، وكل خطأ يُرتكب، وكل لكنة أو أسلوب شخصي يظهر أثناء الحديث، كلها أمثلة على الكلام. وبذلك، فهو متغير، شخصي، وملموس.

ولشرح الفكرة بمثال تطبيقي، يمكن تشبيه اللغة بقوانين لعبة كرة القدم المتعارف عليها عالمياً، بينما الكلام هو أداء اللاعبين داخل الملعب. فالقوانين ثابتة ومشتركة، لكن طريقة ميسي في تسجيل الأهداف تختلف عن أسلوب رونالدو، تماماً كما يختلف أسلوب برشلونة عن ريال مدريد.

بهذا الشكل، يمكن القول إن اللغة تمثل النظام المشترك، بينما الكلام يمثل الممارسة الفردية. فلا وجود لأحدهما بمعزل عن الآخر، إذ لا معنى للقواعد دون من يطبقها، ولا يمكن للممارسة أن تكون مفهومة من دون إطار منظم يحكمها.

اللغةالممارسةالنظامبينوالكلام
Comments (0)
Add Comment