بين الوهم والحقيقة… هل ما زال التصويت قادراً على تغيير مصير الشعوب؟

“لو كان التصويت في الانتخابات مؤثراً حقاً لما سمحوا لنا به”… عبارة شهيرة للكاتب الأمريكي الساخر مارك توين، ما زالت تثير الجدل حتى اليوم، وتُطرح بإلحاح كلما فقد الناس ثقتهم في صناديق الاقتراع.

هذا التحقيق يحاول تتبع أبعاد المقولة عبر تجارب عالمية مختلفة، لنقف عند سؤال جوهري: هل التصويت أداة تغيير حقيقية، أم مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس النخب الحاكمة؟

في أمريكا، حيث تُرفع راية الديمقراطية كنموذج عالمي، يتحدث كثير من المحللين عن “اختطاف” الانتخابات من قبل رأس المال الكبير.
تقرير صادر عن “مركز السياسات المستجيبة” في واشنطن كشف أن تمويل الحملات الانتخابية يتجاوز مليارات الدولارات، ما يجعل المرشحين رهائن لمصالح الشركات الكبرى ولوبيات الضغط.

يقول الباحث الأمريكي جوزيف ستايغليتز: “المواطن الأمريكي العادي يشعر أن صوته لا يساوي شيئاً أمام أموال الشركات. النتيجة هي ديمقراطية شكلية تمنح الشرعية للنظام، لكنها لا تعكس إرادة الشعب الحقيقية.”

في عدد من دول أوروبا الشرقية، جرت انتخابات وُصفت بأنها “ديمقراطية”، لكن الواقع أثبت أنها كانت مجرد واجهة.
التقارير الدولية تحدثت عن توجيه إعلامي، واستعمال أجهزة الدولة لترجيح كفة أحزاب بعينها، بل وتغيير الدوائر الانتخابية بشكل يخدم السلطة.

مراقب من بعثة الاتحاد الأوروبي صرّح قائلاً: “الانتخابات جرت، لكن النتيجة كانت معروفة سلفاً. المواطن ذهب للتصويت وهو يدرك أنه مجرد رقم.”

ففي كثير من البلدان العربية مثلا ، تحوّلت الانتخابات إلى أداة لتثبيت الوضع القائم أكثر من كونها وسيلة للتداول السلمي على السلطة.
من خلال هندسة القوانين الانتخابية، أو استبعاد المنافسين الجادين، أو حتى الضغط المباشر على الناخبين، ظلّت الصناديق وسيلة لإعادة إنتاج نفس الوجوه.

أحد الناشطين الحقوقيين في المنطقة قال: “الانتخابات هنا ليست تنافساً بين برامج سياسية، بل مسرحية يُراد منها إظهار صورة ديمقراطية أمام الخارج، بينما يعرف الداخل أن اللعبة محسومة.”

فرغم اختلاف السياقات، فإن النتائج تكاد تتشابه كفقدان الثقة في العملية السياسية.عزوف متزايد عن المشاركة الانتخابية.
تصاعد الغضب الشعبي والاحتجاجات في الشارع، باعتبار أن الصندوق لم يعد وسيلة للتغيير.

تطرح مقولة مارك توين إذن سؤالاً وجودياً على الديمقراطيات القديمة والجديدة: هل يبقى التصويت أداة تغيير حقيقية، أم أنه مجرد طقس يمنح الشرعية لأنظمة تعرف كيف تتحكم في نتائجه؟
الجواب، كما يبدو، يختلف من بلد إلى آخر، لكنه يظل مرتبطاً بشرط أساسي: وجود مؤسسات قوية، وإعلام مستقل، وقوانين نزيهة… من دونها، يظل التصويت واجهة جميلة تخفي واقعاً مغايراً تماماً.

التصويتالشعوبالوهمتغييرقادراًما زالمصيرهلوالحقيقة
Comments (0)
Add Comment