كيف فضح رولان بارت صناعة المعنى والإيديولوجيا خلف أبسط تفاصيلنا

في منتصف خمسينيات القرن الماضي، لم يكن المفكر الفرنسي رولان بارت منشغلاً بالملاحم القديمة أو الأساطير الدينية التي ورثتها البشرية، بل التفت إلى تفاصيل تبدو في ظاهرها عادية: مباراة مصارعة، إعلان صابون غسيل، صورة في مجلة أزياء، أو حتى سيارة جديدة. هذه المشاهد اليومية، كما كشف بارت في كتابه الشهير “أساطير” (1957)، ليست مجرد وقائع عابرة، بل تحمل في طياتها أنظمة عميقة من المعنى والإيديولوجيا، تُسهم في تشكيل وعي الناس وتطبيع القيم الاجتماعية السائدة وكأنها “حقائق طبيعية”.

اعتمد بارت على علم العلامات الذي أسسه سوسور، لكنه وسّع مجاله من اللغة إلى الثقافة بأكملها. فكل صورة، حركة أو سلعة، ليست بريئة بل هي علامة تُستخدم في نظام سيميائي جديد، يحولها إلى أداة أيديولوجية تُخفي مصالح اجتماعية أو طبقية خلف ستار “الطبيعة”.

لم يتعامل بارت مع المصارعة كمجرد رياضة، بل كـ مسرح للمعاني. فالمصارع “الشرير” و”البطل” وطقوس الانتقام والعار والكرامة، كلها إشارات مضخمة تمنح الجمهور إشباعًا شعوريًا، وكأن العدالة قد تحققت على الحلبة. غير أن هذه العدالة الرمزية، كما يرى بارت، ما هي إلا أسطورة تُبعد الأذهان عن تعقيدات العدالة الحقيقية في المجتمع.

في المقابل، درس بارت الخطاب الإعلاني لصابون الغسيل. فالوعد بـ”البياض المطلق” لا يتعلق بملابس نظيفة فقط، بل يرمز إلى النقاء والطهارة والمكانة الاجتماعية. يتحول منتج عادي إلى أداة شبه سحرية تُطهر ليس الأقمشة وحسب، بل الوجود الإنساني ذاته. هنا، تكمن الأسطورة في تكريس قيم الاستهلاك وربط الكمال الإنساني بالامتلاك.

الخلاصة عند بارت أن الأساطير الحديثة تعمل على تطبيع الاصطناعي؛ أي تحويل ما هو ثقافي وطبقي إلى ما يبدو طبيعيًا وبديهيًا. فتُقدَّم قيم الطبقة الوسطى، مثلاً، على أنها قيم “كونية”، وتُزرع في الوعي الجماعي كحقائق غير قابلة للنقاش. هكذا، تُصبح الإيديولوجيا جزءًا من تفاصيلنا اليومية، غير مرئية، لكنها فاعلة في تشكيل وعينا وواقعنا.

أبسطالمعنىبارتتفاصيلناخلفرولانصناعةفضحكيفوالإيديولوجيا
Comments (0)
Add Comment