ديستويفسكي.. صمت اللسان وضجيج العقل

قد يبدو الإنسان في لحظات كثيرة هادئًا، ساكن الملامح، متحكمًا في كلماته، لكن داخله قد يكون ساحة صاخبة تعج بالأسئلة والجدالات التي لا تنتهي. هذه المفارقة الوجودية عبّر عنها الكاتب الروسي فيودور ديستويفسكي بقوله: “أعترف أن لساني يجيد الصمت جيدًا، لكن عقلي لا يكف عن الكلام”.

الاقتباس يسلط الضوء على التناقض الذي يعيشه الإنسان بين الظاهر والباطن؛ فالصمت الخارجي لا يعني سكينة داخلية، بل قد يخفي عاصفة فكرية تضج بالأصوات والصراعات. هنا يتحول العقل إلى سجن مزدحم بالأسئلة، بينما اللسان يقف عاجزًا أمام فيضها.

يقدم ديستويفسكي عبر هذا الاعتراف قراءة تراجيدية للوعي الإنساني: الهدوء الخارجي ليس إلا قناعًا يحجب قلقًا داخليًا متواصلًا، حيث يعيش الإنسان في حالة من الاغتراب عن نفسه وعن الآخرين. فالصمت قد يكون وسيلة للحماية، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال أمام الفكر ليواصل جداله المستمر، حتى يصبح الضجيج الداخلي عبئًا يلتهم صاحبه.

ليست هذه المفارقة شأنًا فرديًا يخص ديستويفسكي وحده، بل هي مرآة لحال الإنسان عمومًا؛ إذ نحيا جميعًا بين صمت يحفظنا من الانكشاف وضجيج داخلي ينهش أرواحنا. هكذا يغدو الكائن البشري مزدوجًا: ساكنًا في مظهره، صاخبًا في جوهره، يحمل في داخله عاصفة صامتة لا يسمعها الآخرون.

العقلاللسانديستويفسكيصمتوضجيج
Comments (0)
Add Comment