منذ سنوات، ونحن بكل خفة لسان وثقل حكم نردد المقولة الشهيرة: «ليس في القنافذ أملس» كلما ضاقت بنا السياسة، أو ضاق بنا بعض أهلها. صارت الجملة لازمة يومية، نعلّقها على شماعة الخيبة، ونطلقها في وجه الواقع كأنها حكمة خالدة.
لكن، بعد طول تأمل، تبيّن أننا كنّا نظلم طرفًا بريئًا في هذه القصة: القنافذ.
فـ القنفذ كائن مسالم، لا يفتح فمه في نشرات الأخبار، ولا يعد بشيء في الحملات، ولا يغيّر جلده بعد الفوز. يعيش في هدوء، يلتف على نفسه عند الخطر، ولا يلتف على غيره عند المصلحة. أشواكه دفاعية، لا هجومية. لا يؤذي إلا إذا أُوذي. لا يطمع في وزارة، ولا يطمع في صفقة.
فكيف سمحنا لأنفسنا أن نزجّ باسمه في معارك السياسة؟
الحقيقة أن مشكلتنا لم تكن يومًا مع الأشواك، بل مع الألسنة الناعمة التي تخفي أشواكًا غير مرئية. مع الوجوه الملساء التي تتقن فن الابتسام أمام الكاميرات، بينما تُتقن خلفها فنون الالتفاف، والتأجيل، والتبرير، وإعادة تدوير الوعود.
القنفذ، على الأقل، واضح. شكله يصرّح بما فيه. لا يدّعي النعومة، ولا يبيع الوهم. أما بعض السياسيين، فقصتهم مع النعومة طويلة: نعومة في الخطاب، نعومة في الشعارات، نعومة في الصور… ثم خشونة في الواقع تكفي لجرح مدينة كاملة.
لقد أسأنا استخدام المجاز.
لأن القنفذ لا يغيّر مواقفه حسب اتجاه الريح. لا يبدّل أشواكه حسب التحالفات. لا ينسى جحره بعد أن يصل إلى القمة. ولا يطلب من الغابة أن تصفق له لأنه “ضحّى” بوقته من أجلها.
بل إن القنفذ، لو خاض الانتخابات، لقال بصراحة:
«هذه أشواكي. إن اقتربتَ بحذر، لن أؤذيك. وإن آذيتني، سأدافع عن نفسي. لا وعود، لا شعارات، لا برامج انتخابية من خمسين صفحة.»
يا لها من شفافية!
لذلك، آن الأوان لتصحيح الخطأ التاريخي واللغوي:
المشكلة ليست أن ليس في القنافذ أملس،
بل أن في السياسة من يتقن فنّ التمليس حتى يختفي تحت الجلد شوكٌ لا يُرى.
ولأن العدالة تقتضي إنصاف المظلومين، فإننا نقدّم اليوم اعتذارًا رسميًا إلى القنافذ كافة:
نعتذر لأننا جعلناكم رمزًا لما لستم عليه.
ونعدكم بألا نستخدم اسمكم مجددًا إلا في سياق الاحترام البيئي.
أما السياسة… فسنبحث لها عن حيوان آخر، يملك موهبة التلوّن، وذاكرة انتقائية، وابتسامة دائمة، ووعودًا موسمية.
وإلى أن نجد هذا الحيوان، سنبقي القنافذ خارج اللعبة.