حنان معگوز ترسم أنوثة الظل والنور….الفن التشكيلي يتحدى الصمت في مهرجان مشرع بلقصيري

دواي تيفي ☆محمد شرف ابن الشيخ ☆

في إطار فعاليات الدورة الحالية لمهرجان بلقصيري لسينما المرأة والطفل، الذي تنظمه جمعية “باناصا” بشراكة مع “الجيراري كروب” والمركز السينمائي المغربي، لم يقتصر الإبداع على الشاشة الفضية، بل امتد إلى ردهات دار الشباب، حيث فتحت الفنانة التشكيلية حنان معگوز نافذة بصرية مدهشة على عوالم المرأة من خلال معرضها الفني الفردي.

لم تكتفِ حنان معگوز بعرض لوحاتها، بل قدمت من خلالها خطاباً بصرياً عميقاً يتجاوز حدود الجماليات الشكلية ليغوص في أعماق النفس الأنثوية، مستعرضةً تجلياتها بين القوة والضعف، الظل والنور، والانكسار والانبعاث.

ما يميز تجربة حنان معگوز في هذا المعرض هو التنوع الصارخ في تقنيات الصباغة وتوظيفها للون كعنصر درامي أساسي. وقد استعانت في لوحاتها بصباغتي الأكريليك والزيت امتزجا في تدرجات لونية تمنح السطح نسيجاً مادياً يذكرنا بالعواطف الإنسانية الخشنة والناعمة في آن واحد.

الصباغة والمسحة: استعملت الفنانة تقنية الكشط والتظليل بالفرشاة العريضة في بعض لوحاتها، كما احاطت بالتفاصيل الدقيقة بأطراف الأصابع في لوحات أخرى، مما خلق تبايناً بين الشفافية والكثافة اللونية.

لوحات الهوية والانغلاق (الصورة 1): هنا نجد سيطرة الأصفر المضيء (الذهبي/الكبريتي) كلون أساسي للفستان، وهو ما يرمز تقليدياً للطاقة والحيوية، ولكنه هنا محاط بخلفية سوداء داكنة وقاتمة محملة بلمسات بنية ورمادية. هذا التباين الصارخ بين الضوء والعتمة يخلق حيزاً بصرياً يعكس قسوة المحيط الذي تحاول المرأة أن تبقى مضيئة بداخله. وضعية الانكماش (القرفصاء) تعزز شعور الحماية والانغلاق على الذات.

لوحات التكسر والانفجار (الصورة 2): في المقابل، تقدم لنا لوحة مدهشة بتقنية التكعيبية الحديثة.حيث تظهر الألوان متفجرة: اذ يتقاطع البرتقالي الحار للخلفية، مع كل من الأحمر، الأزرق، الأخضر، والأصفر في مساحات هندسية متقاطعة. هنا، لم تعد المرأة جسداً ساكناً، بل صار تحفة من شظايا الألوان، وكأنها تعيد بناء نفسها من ركام من المشاعر المتناقضة.

تعتبر الإضاءة في أعمال حنان معگوز أداة درامية بامتياز. في اللوحة الثالثة والرابعة (الجماعية)، نلاحظ حضوراً قوياً للإضاءة الطبيعية المتدرجة التي تنساب من الزوايا العليا، فاصطدامها بأكتاف النسوة بصبغات الأبيض البارز والبيج المذهب يوحي بأن الضوء يلمسهن من الداخل، بينما تسبح باقي الأجساد فبحر من اللون الأخضر الزيتي العميق والترابي. هذا الاستخدام لثنائية الظل و الضوء يمنح الرسمة انطباعاً روحياً، كأنها تُبحر في غياهب الذكريات أو بين الحياة والفناء.

‎ما ترويه هذه اللوحات هو أكثر من مجرد فتيات جالسات؛ إنها ديمومة السؤال الأنثوي.

‎ أ – الوجه المتوارى: اختارت الفنانة تعمية ملامح الوجوه أو إخفائها تحت ستار الشعر أو الظل (كما في الصورة 1 و 3). هذا الإخفاء ليس عجزاً عن الرسم، بل هو هروب من أنموذج الجمال الاستهلاكي للصورة، ودعوة للمتلقي ليتأمل الجسد والروح بعيداً عن نظرة الرغبة.

‎ب ـالغلاف والمرايا: الستائر والأنسجة المتدلية (الفستان الأصفر، الوشاح، القماش المتكسر) ترمز في نظرية الفن للقشرة الاجتماعية التي تختفي خلفها المرأة. لكنها هنا، وبألوانها المضيئة، تتحول إلى نوع من الحماية او الحاجة إلى الدرع الواقي.

‎ ج ـ السكون والتمزق: تجسد اللوحات رحلة أنثى بين الاستسلام للصمت العميق (كما في اللوحات الداكنة) والثورة والانفجار (في اللوحة المجردة). إنها مرآة لمشاكل المرأة العصرية بين التهميش والتمرد، بين الانزواء والانطلاق.

‎تتجاوز لوحات حنان معگوز في مهرجان بلقصيري حدود العرض التشكيلي البسيط؛ حيث سعت جاهدة لتقديم نموذج نوعيا للفن النسائي الذي يتسلح بالأدوات البصرية لطرح الأسئلة. بفضل هاته التشكيلة المتفردة من الألوان الجريئة والاتجاهات الفنية المختلفة (من التصوير الواقعي المتأثر بالانطباعية إلى التكعيبية التجريدية)، نجحت الفنانة في إدخال الجمهور في نقاش فلسفي حول جسد المرأة في الإبداع.

‎لقد أثبتت حنان معگوز أن الرسم ليس مجرد تزيين للجدران، بل هو عدسة تُرى من خلالها تفاصيل المجتمع الأنثوي المخفية، بل اقرت علنا رفضها للصورة النمطية للمرأة ككائن سلبي، لتصورها بدلاً من ذلك كجوهرة تتراقص بين الوجود والعدم، في انسجام تام مع رسالة المهرجان الذي يهدف لتكريم صوت المرأة في جميع الفنون.

‎بهذا المعرض، تكون “باناصا” والمركز السينمائي المغربي، مرة أخرى، قد قدما منصة مشرقة للإبداع الحقيقي الذي يليق بلقب “مهرجان المرأة والطفل”.

الإبداع_النسائي دالمغربحنان_معگوز #الفن_التشكيلي #سينما_المرأة #الفن_والثقافةدواي_تيفيمشرع_بلقصيريمهرجان_بلقصيري_لسينما_المرأة_والطفل
Comments (0)
Add Comment