فقدت الساحة الثقافية المغربية والعربية، اليوم الجمعة، واحداً من أبرز أصواتها الأدبية والفكرية برحيل الكاتب والشاعر والناقد الدكتور محمد السرغيني، عن عمر ناهز 96 سنة، بعد مسار حافل بالعطاء الأدبي والفكري، وفق ما أفادت به مصادر مقربة من الراحل.
ويعد السرغيني، المزداد بمدينة فاس سنة 1930، من الأسماء التي تركت أثراً بارزاً في تطور الشعر المغربي الحديث والنقد الأدبي، بعدما راكم تجربة غنية امتدت لعقود، جمع خلالها بين الإبداع الشعري والبحث النقدي والدراسات الفكرية والترجمة.
ولم يقتصر حضور الراحل على مجال الشعر، إذ انفتح مشروعه الثقافي على مجالات متعددة شملت النقد، والسيميائيات، والفلسفة، والدراسات الأدبية، إلى جانب الرواية والمسرح، وهو ما منحه مكانة خاصة داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي.
وتشكل مدينة فاس محطة أساسية في مساره، حيث تلقى تعليمه الأول واستفاد من رصيدها العلمي والثقافي، قبل أن يواصل دراسته في جامعة القرويين، ثم يتوجه إلى العراق، حيث حصل على الإجازة في الآداب من جامعة بغداد سنة 1959.
وبعد عودته إلى المغرب، واصل مساره الأكاديمي بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث حصل على شهادة في الأدب المقارن سنة 1963، قبل أن يتوج تكوينه الجامعي بدكتوراه السلك الثالث سنة 1970، ثم دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بباريس سنة 1985.
وارتبط اسم محمد السرغيني، على امتداد تجربته، بالبحث عن أشكال جديدة في الكتابة والتعبير، وبالانشغال بأسئلة الحداثة الشعرية والفكرية، كما ساهم من خلال التدريس والتأليف والنقد في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين والمهتمين بالأدب.
وكان الراحل يجمع في تجربته بين الحس الشعري والاشتغال النقدي والبعد الفلسفي، مع حضور واضح للبعد الصوفي في رؤيته الأدبية، ما جعل تجربته تتجاوز حدود الكتابة الإبداعية نحو مشروع فكري وثقافي متكامل.
وبرحيل محمد السرغيني، تطوي الساحة الثقافية المغربية صفحة أحد أبرز روادها الذين رافقوا تحولات القصيدة المغربية الحديثة وأسهموا في إغناء النقاش حول الأدب والنقد والفكر.
ويترك الراحل خلفه مؤلفات وتجربة علمية وإبداعية ستظل حاضرة في المكتبة المغربية والعربية، كما يترك أثراً لدى أجيال من الكتاب والباحثين الذين تتلمذوا على أعماله أو تأثروا بمشروعه الأدبي والفكري.
رحم الله محمد السرغيني، أحد أبناء فاس الذين جعلوا من الكلمة جسراً بين الإبداع والمعرفة، وتركوا للثقافة المغربية إرثاً يتجاوز حدود الزمن.