أثارت واقعة الندوة الصحفية وما رافقها من جدل، من جديد، نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين الإعلام وبعض الفعاليات الفنية والشعبية، وحول حدود ما ينبغي أن يكون عليه حضور الصحفي داخل هذه المناسبات.
فالصحافة لا تدخل إلى المواسم والمهرجانات باعتبارها مجرد وسيلة للترويج أو نقل أجواء الاحتفال، وإنما تؤدي وظيفة مهنية تقوم أساساً على نقل الوقائع، وطرح الأسئلة، ورصد ما يجري بموضوعية، بما يخدم حق الجمهور في المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام الصحفي لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بمكانة الفنان أو المنظم، كما أن الاختلاف في المواقف أو طريقة تدبير الندوات لا يبرر بأي شكل تحويل الخلاف المهني إلى إساءة شخصية أو انتقاص من قيمة العاملين في الإعلام.
لكن المسؤولية لا تقع على الطرف الآخر وحده.
فالإعلام مطالب أيضاً بمراجعة طريقة حضوره في بعض المواسم، والتوقف عند طبيعة المادة التي يقدمها للجمهور. هل يكتفي بتغطية السهرات، ونقل تصريحات الفنانين، ونشر الصور، أم يحاول أن يقرأ المشهد من زواياه المختلفة؟
السؤال هنا ليس رفض المواسم الشعبية أو التقليل من قيمتها الثقافية والاجتماعية، بل يتعلق بمدى قدرة الإعلام على تحويل هذه المناسبات إلى مادة صحفية ذات معنى. فالموسم يمكن أن يكون فرصة للحديث عن التراث المحلي، والتنمية، والاقتصاد، والسياحة، ودعم الفنانين، وظروف التنظيم، وانعكاس هذه التظاهرات على السكان والفضاء العام.
أما أن يتحول الصحفي إلى مجرد متابع ينتظر لحظة فنية أو تصريحاً عابراً، فذلك يختزل العمل الإعلامي في وظيفة لا تليق بدوره الحقيقي.
إن استقلالية الصحافة تبدأ من قدرتها على قول ما تراه ضرورياً، حتى عندما لا ينسجم ذلك مع رغبة المنظم أو الفنان. وفي المقابل، فإن النقد الصحفي لا يعني الخصومة، كما أن احترام الشخصيات الفنية لا يعني التخلي عن الأسئلة المهنية.
وبين هذا وذاك، تبقى هناك مسؤولية مشتركة تفرض احترام قواعد العمل الإعلامي، سواء تعلق الأمر بمواعيد الندوات، أو بطريقة التواصل، أو بالخطاب المتبادل بين الصحفيين والفنانين والمنظمين.
ولعل السؤال الأهم الذي يستحق أن يفتح نقاشاً داخل الجسم الإعلامي هو: ما الصورة التي نريد أن ننقلها عن مواسمنا إلى المواطن المغربي؟
هل نريد إعلاماً يكتفي بتوثيق مظاهر الاحتفال، أم إعلاماً يساهم في تقييمها، ويكشف جوانب القوة والخلل فيها، ويمنح الجمهور صورة متوازنة لا تخضع لمنطق المجاملة؟
الإعلام الحقيقي لا يقاس بعدد المنابر التي حضرت، ولا بعدد الصور التي نشرت، وإنما بمدى القيمة التي أضافتها التغطية للمتلقي.
وحين تصبح المهنية هي القاعدة، يصبح اختلاف الصحفي مع الفنان أو المنظم أمراً طبيعياً لا يفسد للود قضية. أما حين تتحول المجاملة إلى شرط للتغطية، فإن الخاسر في النهاية ليس الصحفي وحده، بل المهنة والجمهور معاً.