في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي تصنع النجومية في ساعات، وتحوّل الأفكار العابرة إلى قضايا تشغل الملايين، يبرز سؤال فلسفي يستحق التأمل: هل أصبح الإنسان أكثر استقلالية في تفكيره، أم أنه ما زال يتبع الجماعة، لكن بمصطلحات أكثر حداثة؟
كان يُقال قديماً إن الإنسان يسير وراء القطيع، في إشارة إلى ميله لمجاراة الجماعة دون تمحيص أو مساءلة. أما اليوم، فقد اكتسب هذا السلوك اسماً جديداً يتردد في الفضاء الرقمي: «الترند». وبين المصطلحين مسافة لغوية واسعة، لكنها قد تخفي تشابهاً عميقاً في طريقة التفكير والتصرف.
لم يعد الفرد بحاجة إلى راعٍ يقوده في اتجاه محدد، فخوارزميات المنصات الرقمية، وعدد المشاهدات، والإعجابات، والتعليقات، أصبحت قادرة على توجيه الانتباه وصناعة الإحساس بما هو شائع وما يستحق المتابعة. وما إن ينتشر موضوع حتى يسارع كثيرون إلى التفاعل معه، لا بالضرورة لأنهم اقتنعوا بمضمونه، بل لأن الجميع يتحدث عنه.
وهنا تكمن المفارقة: قد يعتقد الإنسان أنه يختار بحرية، بينما يتأثر اختياره برغبة خفية في الانتماء إلى الجماعة، أو الخوف من أن يبدو خارج السياق، أو الحرص على الظهور في دائرة الاهتمام. فيتحول التفاعل أحياناً من تعبير عن موقف شخصي إلى استجابة جماعية لا تترك وقتاً كافياً للتفكير.
وليس كل ترند دليلاً على التقليد الأعمى؛ فقد تسهم الاتجاهات الرائجة في نشر المعرفة، والتعريف بقضايا إنسانية، وتحريك التضامن المجتمعي، وفتح النقاش حول موضوعات كانت مهمشة. غير أن الإشكال يبدأ حين يصبح الانتشار معياراً للحقيقة، وتتحول كثرة المتفاعلين إلى بديل عن الحجة، ويُقاس الصواب بعدد الإعجابات لا بقوة الأدلة.
في هذا السياق، تستحضر الظاهرة أفكار الفيلسوف الألماني إريك فروم، الذي ناقش في كتابه «الخوف من الحرية» كيف يمكن للإنسان، رغم تطلعه إلى الاستقلال، أن يلجأ إلى الامتثال للجماعة هرباً من القلق والمسؤولية اللذين تفرضهما الحرية. كما تذكّرنا بمفهوم «عقلية القطيع» في علم النفس الاجتماعي، حيث يمكن لضغط الجماعة أن يؤثر في الأحكام والسلوكيات، حتى لدى أشخاص يعتقدون أنهم يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة.
أما في العالم الرقمي، فقد أصبحت هذه الآليات أكثر سرعة واتساعاً. فالمحتوى الذي يحصد تفاعلاً كبيراً يحظى غالباً بمزيد من الظهور، ما قد يدفع المستخدمين إلى تقليده أو إعادة نشره، حتى قبل التحقق من صحته أو فهم سياقه. وهكذا لا يكتفي الفرد بمشاهدة الترند، بل قد يصبح جزءاً من عملية تضخيمه وانتشاره.
إن المشكلة ليست في متابعة ما يشغل الناس، ولا في المشاركة في النقاشات الرائجة، وإنما في التخلي عن حق السؤال والتفكير النقدي. فليس كل ما ينتشر يستحق التصديق، وليس كل ما يصفق له الجمهور جديراً بالإعجاب، كما أن مخالفة السائد لا تعني بالضرورة امتلاك الحقيقة.
قد يكون الاختبار الحقيقي لاستقلالية الإنسان هو قدرته على التوقف وسط الضجيج، والتساؤل عن أسباب انجذابه إلى فكرة ما، ومراجعة موقفه قبل أن يعلن انضمامه إلى موجة جماعية.
فبين القطيع والترند، ربما لم يتغير الإنسان بالقدر الذي يعتقده؛ الذي تغير هو الوسيلة، وسرعة الانتشار، والاسم الذي نطلقه على السلوك.
لقد تغيّرت الكلمة، لكن السؤال بقي كما هو: هل نفكر لأننا اقتنعنا، أم نقتنع أحياناً لأن الجميع يفكر بالطريقة نفسها؟
في النهاية، ليست الحرية أن تسير عكس القطيع لمجرد المخالفة، بل أن تمتلك القدرة على اختيار الطريق بعد التفكير، سواء وافقت الجماعة أم خالفتها. فالعقل المستقل لا يقيس أفكاره بعدد من يتبنونها، وإنما بقدر ما تصمد أمام السؤال والنقد والتمحيص.