لماذا يصبر الفقراء على فقرهم ..عمر بن الخطاب “لوكان الفقر رجلا لقتله”
“لو كان الفقر رجلا لقتلته”، لطالما تدوالنا هذه العبارة المأخوذة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتعبير مجازي يصف التمرد والسخط على الوضع الإجتماعي لقائله.
ولو هنا تأتي كحرف امتناع عن الجواب لغياب الشرط حسب ما يقول أهل اللغة، فلا الفقر رجل، ولا عمر سيقتله.
لماذا لا يقوم الفقراء بوضعيتهم الهشة القيام بثورة رغم حاجتهم وعوزهم الشديد!؟، وبحسب الدراسات الت أجريت بهذا الخصوص نجد أنه لا يستطيع الفقراء -سواء المياومين أو محدودي دخل – أن يقوموا بمواجهة حكوماتهم التي تمتلك جيوشا ولن تتوانى الدفاع عن نظامها غير آبهين بحياة الثوار بوصفهم خارجين عن القانون .
و بحسب دراسة باحثو الثورات والانتفاضات أن المبادرة بالثورة لا تأتي من الفقراء بل فقط يلحقون بها، ولكنهم لا يبدؤونها، هم قد يتمردون ولكنهم لا يثورون، وشتان ما بين الأمرين ، فتعريف الثورة هي حراك شعبي كبير يهدف تغييرا جذريا للنظام السياسي بنظام جديد أكثر عدلا ويمثل مطالب الشعب ، فيما يعتبر التمرد كحالة انفجار لفئات معينة نتيجة لتراكم حالة الغضب والإحباط.
وبهذا نستخلص أن الدول الفقيرة نادرا ما تشهد ثورات، ولكنها في الغالب الأحوال تشهد انفجارات وانتفاضات شعبية تهدف بالمقام الأول تحسين الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية.
وبحسب دراسة علماء الاجتماع الأميركين بجامعة جورج مايسون “فإن الفقر وحده لا يؤدي إلى قيام الثورات، لأن أغلب ثورات القرون الثلاثة الأخيرة كانت في بلدان متوسطة الدخل وليست فقيرة.
وهي أطروحة مؤكدة ليس فقط نظريا ولكن أيضا تاريخيا، لأن الثورة الأميركية عام 1775 قام بها المستوطنون الأميركيون الذين كانوا أفضل حالا من الفلاحيين الأوروبيين، كما أن الثورة الفرنسية 1789 قام بها عمال وفلاحون كانوا أفضل حالا اقتصاديا واجتماعيا من نظرائهم الروس الذين جرت ثورة في بلادهم بعد ذلك بـ100 عام.
لكن، لماذا لا يثور الفقراء رغم عوزهم و حاجتهم!؟ تكمن الإجابة بحسب باحثو وعلماء الإجتماع أنه لا يستطيع الفقراء أن يطيحو بحكومات تمتلك جيوشا نظامية عازمة على الدفاع عن أنظمتها مهما كان الثمن، فالثورات تقع غالبا عندما يقع انشقاق بين النخب الداعمة للنظام خاصة العسكرية منها، وهنا نقول النخب التي تمتلك سلطة بيدها توجه بها وليس الفقراء .
لأن الفقراء لا يمتلكون الموارد المادية أو المعنوية لقيادة قوة ثورية بوسعها التخطيط لتغيير نظام و الإطاحة به، في حين يعتبر الفقر من وجهة دينية قدرا أو واقع طبيعي يجب تحمله والصبر عليه وقد وجد منذ بداية الخلق، لذلك يعتقد أن الفقر لا يؤدي إلى ثورات وإنما إلى تمرد شعبي.
وهنا يأتي السؤال الجوهري إذا كان الفقر لا يدفع الناس للثورة ضد النظام فما الذي يدفعهم إذن؟
الحرمان النسبي وليس الفقر هو الذي قد يدفع إلى قيام الثورة، فالشعور بعدم المساواة والظلم والميز بعدم تكافئ الفرص -سواء في الدول الغنية أو الدول متوسطة الدخل- هو الذي يدفع باتجاه التفكير في الثورة، وذلك من أجل تغيير الموازين وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الوضع الإقتصادي، ويصبح الأمر أكثر إلحاحا عندما يدرك المواطنون أولا أن فقرهم ليس قدرا حتميا لأن بلادهم فقيرة ولكن نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، وثانيا لأن هناك فئات وطبقات أخرى لا تعاني الفقر، بل تحتكر الثروات والموارد على حساب بقية المجتمع، وبكلمات أخرى، فإن فقرهم هو بفعل فاعل وليس أمرا قدَريا.لذلك يحذّر البعض أحيانا مما تسمى “ثورة الجياع” التي قد تحدث نتيجة للفقر الذي يضرب البلاد والعباد.
