يرى اصف بيات أن المرح لا يساوي المزاح لكن المزاح يظل أحد مكونات المرح, فالكيفية التي يؤكل بها الطعام أو طريقة الكلام أو السلام وغيرها من السلوكات التي يتم إخراجها من طابعها المعياري نحو الطابع العفوي التلقائي تصبح مزاحا وهذا المزاح هو الذي يشكل المرح.
فالمرح يمكن التعبير عنه بشكل فردي أو من خلال جماعات في النطاق العام أو في النطاق الخاص ويمكن أن يأخذ أشكالا تقليدية وأخرى سلعية؛ فالرمح لا يرتبط بفئة دون أخرى أو بجماعة دون جماعة بل يرتبط بجميع الفئات العمرية والجماعات, فالأغنياء ينتجون مجال أو فضاء المرح حسب معاييرهم ونفس الأمر ينطبق على الفقراء, ثم أن الأطفال ينتجون فضاء لضحك حسب إرادتهم وتوجهاتهم والشباب كذلك ينطبق عليهم نفس الأمر بيد أن الشباب يبقى الفئة الأكثر إنتاجا للمرح.
مسألة الخوف من المرح لا يمكن ربطها فقط بالتوجه الاسلاموي وإنما هي قضية تاريخية لها امتداد تاريخي فالعلمانيون بمختلف طوائفهم عبروا عن خوفهم وقلقهم من المرح, وبالتالي فالقضية ليست قضية مذهبية بالقدر الذي ترتبط بامتداد تاريخي.
إن المرح لا يهدد بالضرورة النظام الأخلاقي وإنما يهدد نظام القوة التي تتأسس عليه السلطة السياسية والأخلاقية, بمعنى الاطار الذي تم موْضعته من طرف الدولة والأفراد وبالتالي فصورة الخوف من المرح تدور بشكل أساسي حول الخوف من الخروج عن الاطار الذي يؤطر لسيادتهم.
يمكن القول أن تاريخ النزعة الإسلامية مرتبطا بالحرب ضد المرح واللعب والانفلات وذلك من خلال مجموعة من الأمثلة بمثابة أدلة على ذلك يوظفها اصف بيات:
في مصر على سبيل المثال خلال فترة الثمانينيات عمـل الطلبة ذو النزعة الاسلاموية على وقف الحفلات والمسرحيات, وعملوا على مضايقة الذكور والإناث من الطلاب الذين يختلطون مع منع الأفلام والرقص وكل ما يصب في ملذات الحياة حسب فهمهم. وفي ذات السياق فرضت الجماعة الإسلامية الراديكالية نفس الشروط في أحد أحياء القاهرة من خلال فرض قواعد صارمة على الشباب والنساء, ومنع صالونات التجميل للنساء ومحلات بيع شرائط الفيديو وأوقفوا استخدام الموسيقى المرحة في الأفراح.
أما في السعودية فعملت الحكومة السعودية على ضبط وقت الفراغ لدى الشباب, بل أكثر من ذلك عملت على تحديد الاستقامة والطريقة التي يجب أن يكونوا بها الشباب السعودي من خلال مقاومة السينما وقاعة الاحتفال والمراقص والنوادي والمسارح وحتى صور المرح البسيطة.
أما في أفغانستان ومن خلال النزعة التطهيرية التي نهجتها “طالبان” عملت على مسح كل علامات اللهو والمرح والجماليات العلمانية, والسعي نحو الفردية والإبداع, وثم منع الموسيقى, والتلفزيون, والرسوم والتماثيل. وكل ما يعبر عن الجمال والعناية بالنفس.
بل أكثر من ذلك تم فرض ارتداء ” البرقع” بالنسبة للمرأة وأجبرت الرجال على اطلاق لحاهم…لكن بمجرد ما تم سقوط كابول في أيدي قوة الحلفاء في نونبر 2001 بدأ الكثيرون من الأفغان التعبير الإنساني عن المرح في العلن.
“أن اخطر شيء يهدد الإنسانية هو أن ينسى الإنسان تكريس حياته أو الإخلاص لله وان يقيم مراكز ثقافية بدلا من مساجد والكنائس وان ينجذب ناحية الأفلام والفنون وليس ناحية الصلاة والخضوع إلى الله” هذا القول يعود إلى الفقيه الإيراني محمد مصباح يزدي الذي يرى أن المرح بشكل عام قيمة معادية ولا أخلاقية بالنسبة للمجتمع الإيراني غير أن عكس ذلك ما ذهب إليه الشعب الإيراني حيث اعتبر أن المرح قضية ديموقراطية يجب الدفاع عنها.
بناءً على ما سبق يمكن القول أن بالرغم من تأكيد المتدينين أن الإسلام لا يعرف المرح أو الهزل إلا انهم لا يرفضون أي مفهوم للمتعة, فانصار النزعة الاسلاموية الإيرانية يعترفون برغبات البشر الشهوانية ولسد هذه الرغبات اقترح هؤلاء “زواج المتعة” والذي بموجبه يمكن التعاقد لفترة محددة بين رجل وامرأة.
ومن أجل الضبط السلوك الجنسي حسب النزعة الإسلاموية عند الإيرانيين، عملوا على توجيه عدد من البغايا إلى منازل “العفة” حيث يمكن للرجال الساعين لإشباع الرغبة الجنسية أن ” يتزوجوا” من البغايا مبررين ذلك بمنطق ضبط الأخلاق وإضفاء الشرعية عليها.
وفي سياق آخر نجد أن المتعة الحقيقة للإسلامويين ترتبط أساسا بالمساعي الصوفية الروحية من خلال الاستمتاع بالأسرة والشجاعة والتضحية حيث تؤدي هذه الأمور إلى نوع من ” الثمالة” تخرج الأفراد من حالة الوعي إلى حالة اللاوعي, وذلك من خلال رسم نموذج الإنسان المثالي الذي يتسم بالشجاعة والشدة والصرامة والتحكم في الذات وعدم الأنانية ورقة المشاعر وغيرها بمعنى أن كلما كبح الشخص رغباته وميولاته الغريزية كلما كان اقرب إلى الموت الشريف.
” إن العقلانية الغربية قد سيطرت على وجودنا, فالبحث عن السعادة والمتعة قد أصبح له تبرير عقلاني. إن إله السعادة هو الذي يُعيد بدءا من المجالات الرياضية وصولا إلى فصول الدراسة.”
يرتبط المرح على وجه الخصوص بالثقافة الغربية بمعنى أن الثقافة الاسلاموية لا تحوي في طياتها مسألة المرح واللهو وهذا ما دفع الكثيرون منهم إلى مقاومة كل أشكال المرح, غير هذا يظهر عكسه في المجتمع العربي الذي أصبح يربط كثيرا من المناسبات الدينية بالمرح “أمسيات رمضانية, أعياد دينية. الخ”.
وفي ذات السياق يمكن ذكر الكيفية التي يُنظر بها إلى سلوكات الشباب الذين يتسكعون قرب المدارس لممارسة الحب الممنوع من طرف الدولة, على اعتبار أن الدولة مؤسسة أخلاقية تنتج القيم ليس فقط القرارات السياسية. وبالتالي فمن الأمور الشنيعة أن “يقع الإنسان في الغرام في هذا البلد”.
بالرغم من كل المحاولات التي تفرضها المؤسسات والجماعات نحو كبح المرح واللهو واللعب إلا أن الشباب على وجه الخصوص غالبا ما يجد مخرجا للهروب من القواعد والقوانين المنظمة لذلك خلال فترة التسعينيات بدأ الشباب الإيراني يعبر عن ذواتهم من خلال الانخراط في نوادي للموسيقى والرقص بالإضافة إلى إقامة فرق سرية لموسيقى البوب والروك, بل أكثر من ذلك اقتحموا فضاءات عامة ليعبروا من خلالها عن ذواتهم.
غير أن الشباب ساهم بشكل كبير في قلب القيم الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمع إلا أنه لم يتخلى عن القيم الدينية بشكل نهائي, وإنما اعتمد على ما يسمى ب”التكيف التحولي” بمعنى إعادة انتتاج فهم وتصور جديد للدين بعيدا عن التصورات القديمة الذي كانت تتميز بالحزن والغموض والنظرة السودوية للحياة.
فالمرح من خلال النموذج الشبابي ينظر إليه على أساس أنه مثله مثل أي ممارسة للحرية الفردية, ويمكن أن يكون مشكلة اجتماعية إذا ما تم تأثيره على السير العادي للمجتمع بشكل عام بيد أن النزعة الفردية المفرطة والعدمية وتعاطي المخدرات, والزنا ومرض الإيدز, والعنف, كل هذه السلوكيات لا تضر المجتمع الأكبر إنما تتصل بشكل مباشر الفاعلين الذين يمارسون المرح انفسهم.
في حين أن هناك ممارسات تضر بشكل مباشر المجتمع الأكبر إلى إنها لا تعتبر ممارسات محرمة من طرف الشرع أو مجرمة من طرف القانون ك”اللعب بالسيارات وإيقافها فجأة” أو كطقس يمارِسه شباب “حركة مهاجر” الذي يترك أثار مدمرة على المجتمع الباكستاني.
إن الإفراط في ضبط المرح والسيطرة عليه يؤذي إلى إفراط في ممارسته, وهنا يمكن التمييز بين تيارين: التيار الإصلاحي والمحافظ:
الأول يرى أن المرح ليس خطيئة ولكنه عاطفة إنسانية عميقة وبالتالي لا يجب كبحها أو قمعها بل يجب تطويرها من خلال نشر ثقافة الفرح عن طريق ندوات. وبالتالي فالمرح يعد حقا من حقوقنا والضحك ليس انحرافا.
أما الثاني فإنهم يعترضون ما يطلقون عليه الغزو الثقافي والمشاعر المعادية للإسلام, وذلك من خلال محاسبة ومعاقبة المواطنين الذين يُتهمون بعدم الأخلاق أو التبجح أو الفسوق في الأماكن العامة، ثم معاقبة الرجال بسبب شربهم للخمور ومنع الشباب من ارتداء رباط العنق .
يتبع……
