مقال: جماعة الالتراس من المنافسة إلى الاحتجاج الاجتماعي التراس الرجاء والوداد (دراسة حالة)

إعداد الطالبة الباحثة: شيماء مسعودي

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ملخص الدراسة: نسعى من خلال هذه المقال إلى التطرق إلى ظاهرة الاحتجاج داخل ملاعب “كورة القدم”، باعتبارها ظاهرة جديدة تتم داخل مدرجات الملاعب يؤطرها جماعة الالتراس، حيث لم تعد هذه الفضاءات باعتبارها فضاء للمنافسة والتسلية والتشجيع بل تعدت ذلك، حيث أصبحت تشكل هذه الفضاءات مجالا جديدا للاحتجاج الاجتماعي، مجالا للتعبير عن أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بترديد “جماعة الألتراس” لأغاني ذات حمولة سياسية، تنتقض الحكومة وسياسة الدولة، كما تعبر عن شعور هؤلاء الشباب بالتهميش والاقصاء من طرف الدولة وما يعانيه من بطالة وفقر وغيرها من المشاكل الذي يعانيه هؤلاء في محيطهم الاجتماعي، وبتالي فهذه الفضاءات أضحت مكانا للاحتجاج الاجتماعي تنخرط فيه بصفة أولية فئة الشباب وهذا ما يميز هذا الفضاء.
الكلمات المفتاحية: جماعة الألتراس- المنافسة- الاحتجاج- الاحتجاج الاجتماعي.

تقديم عام:

إن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة رياضية للمتعة والمنافسة، ولم تعد بالنسبة لجماعة المشاهدين للفرجة والتسلية والتشجيع، حيث أصبحت تلعب دورا سياسيا وذلك من خلال الاحتجاج الاجتماعي، ولقد أصبحت تعرف ملاعب كرة القدم الان ظاهرة جديدة إنها جماعة الالتراس، والتي تعني فئة من مشجعي الفرق الرياضية هدفها الفرجة ومعروفة بانتمائها وولائها لفريقها وتحرص على التنقل معه أينما حل ارتحل حاملات معها أغاني وشعارات وألوان خاصة بالفريق الذي تشجع.
وتكونت أول جماعة بالبرازيل سنة 1940 وعرفت باسم « Torcida »، إلا أن الشهرة الحقيقة لها جاءت بعد توطنها في الدول الأوروبية، خاصة في إيطاليا خلال الستينيات وذلك لدواع سياسية تتعلق بحالة التعصب المناطقي التي تسود الحياة الإيطالية بشكل عام، لا سيما بين الشمال والجنوب. وظهرت جماعة الالتراس بالمغرب في بداية القرن الواحد والعشرين، حيث يتفق مجمل الروايات على ظهورها سنة 2005، وذلك بظهور “الألتراس” العسكري المساند لفريق الرجاء البيضاوي و “الوينزر” Winner التابع لفريق الوداد البيضاوي، فأصبح بهذا “ألتراس” أهم فريقين بالمغرب الرجاء والوداد بل أصبحت تعرف كل مدينة فريق كرة القدم وبالتالي أصبحت لكل مدينة جماعة للالتراس خاصة بها، إلا أن هذه الجماعة كانت في بداية الأمر وظيفتها هي أن تحمل أغاني هدفها تشجيع الفريق الذي تنتمي إليه، إلا أنها اليوم أمست فعلا سياسيا بامتياز، حيث تحمل شعارات وأغاني سياسية منتقدة للأوضاع الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، وبهذا تتخذ جماعة الالتراس من فضاء ملاعب كرة القدم فضاء للتعبير عن مطالبها، ورفع أغاني وشعارات سياسية تحمل في مدلولها خطابات تعبر عن الظلم والتهميش وتنتقد سياسة الدولة، وبهذا نجد أن العلاقة بين الألتراس والدولة هي علاقة متوترة وذلك لأن خطابات الالتراس دائما ضد الحكومة.
وبهذا أصبحت فضاءات ملاعب كرة القدم تجتاحها حركة احتجاجية جديدة تثير اهتمام كل من الباحثين والمهتمين بالفعل السياسي بشكل عام، والحركات الاجتماعية بشكل خاص، فما يميز هذه الحركة الاحتجاجية الجديدة عن باقي الحركات هي أن أعضاءها من معظم الشباب، هؤلاء الشباب تجمعهم نفس الهواجس ويعيشون في الغالب ظروف مماثلة تتمثل في البطالة والتهميش، وهنا تتشكل هوية اجتماعية لهذه الجماعة و يمكن أن نتطرق بذلك للروح الجماعية، حسب مفهوم لوبون في كتاب سيكولوجية الجماهير تختفي الذات الشاعرة وتتوجه مشاعر جميع الأفراد نحو صوب واحد، فتتولد من ذلك روح عامة وقتية بالضرورة إلا أنها ذات صفات مميزة واضحة تمام الوضوح، وحينئذ يصير ذلك الجمع لفيفا مخصوصا لم أجد لتسميته كلمة أيق من لفظ الجماعة المنظمة أو الجماعة النفسية، فكأن ذلك اللفيف ذات واحدة، وبذلك يصير خاضعا لناموس الوحدة الفكرية التي تخضع الجماعات لحكمه.
واهم ما تمتاز به الجماعة هو وجود روح عامة تجعل جميع أفرادها يشعرون ويفكرون ويعملون بكيفية تخالف تمام المخالفة الكيفية التي يشعر ويفكر ويعمل بها كل واحد منهم على انفراده، ومن الأفكار والمشاعر ما لا يتولد أو يتحول فيخرج من عالم القوة إلى عالم الفعل إلا عند الفرد في الجماعة. وهكذا تذوب الجماعة لتصبح روح واحدة وتقوم للتعبير عن مشاعرها وأفكارها، وهذا الذي يبرر الحضور البارز للفعل الاحتجاجي لهؤلاء الشباب الذين ينتمون إلى جماعة الألتراس في فضاء ملاعب كرة القدم واستعداده التام للفعل الاحتجاجي بما في ذلك تناول شعارات سياسية تحمل في طياتها قضايا اجتماعية وسياسية تعبر عن مشاعر السخط والحرمان.

المحور الأول: الاطار المفاهيمي للدراسة:
جماعة:
لغة: جماعة (جمع) جج جماعات: عدد كبير من الناس والشجر والنبات، “حضر الجماعة الأولى في المسجد-يد الله مع الجماعة (مثل) فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية (حديث)”، جماعات وأفرادا أعداد إما أعداد كبيرة، مذهب، طائفة دينية /فلسفية/مهنية.
إصطلاحا: هي تجمع للكائنات البشرية التي تدخل في علاقات اجتماعية متميزة مع كل الاخرين كما يشير مصطلح الجماعة إلى تجمع صغير أو كبير من الأشخاص قد تطول وقد تقصر.
إجرائيا: الجماعة هي وحد اجتماعية تتكون من مجموعة من الأفراد، بينهم تفاعل اجتماعي متبادل.
الألتراس:
لغة: ألتراس ((Ultras “هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق والزائد”.
إصطلاحا: يستخدم المفهوم للإشارة إلى الناصرين لقضية ما بحيث يفوق ولاء واهتمام أصحاب القضية الأصليين، وانتقل هذا المصطلح إلى مجال الرياضة، واستخدم لوصف مشجعي كرة القدم المتعصبين في كرة القدم المتعصبين في إيطاليا.
مجموعات من الشباب الألتراس الذين يسعون إلى ترسيخ أنفسهم كلاعبين في كرة القدم من خلال إنشاء تدريبهم ومنافستهم، ويشيرون إلى نفس الثقافة والتي يتم تحديثها بشكل مختلف.
إجرائيا: هي جماعة تشجع فرقة معينة لكرة القدم معينة وتدين بولائها لهذه الفرقة.
المنافسة:
لغة: منافسة، مصدر نافس، بذل شخصين أو أكثر أقصى جهد لتحقيق غرض ما وبخاصة يكون التفوق هو الهدف
إصطلاحا: التنافس هو سباق للحصول على شيء لا يتعادل العرض فيه مع كثرة الطلب عليه، فمثلا تظهر المنافسة في بعض المجتمعات التي تتميز بوفرة في عدد الأفراد القادرين على العمل، ولكن فرص العمل المتاحة بهذا المجتمع أقل كثيرا من أن تستوعب كل هؤلاء الأفراد فيها، والمنافسة موجودة في كل مجالات الحياة، فنجدها في مجالات العمل والحصول على القوة والنفوذ والمراكز والجاه والصداقة والشهرة والحب، كما تتجه المنافسة إلى أمور تتعلق بالألعاب الرياضية والتسلية والنشاط الاجتماعي.
إجرائيا: منافسة فرقة مع فرقة أخرى لكرة القدم داخل الملعب للفوز.
الاحتجاج:
لغة: مصدر احتج ،يحتج، احتجاجا: 1عليه: أقام الحجة، 2عليه عارضه مستنكرا فعله” احتج الطلاب على رفع مصاريف الدراسة”
اصطلاحا: يعد الاحتجاج ممارسة تعيد نفسها باستمرار، رغم مظاهر التحديث التي شملت أشكاله وموضوعاته، كخطاب وكفعل يتكرر في الزمن والمكان بسبب وجود خلل وعائق أو احتلالات وأعطاب ينبغي تجاوزها والبحث عن السبل الكفيلة بحلها وإصلاحها والحد منها أو التخفيف من اثار.
إجرائيا: يمكن اعتباره كخطاب يحمل مجموعة من المعاني التي تنتقد قرارات الحكومة والدولة ،وهو شعارات تردد ضد التهميش والفقر والبطالة.
الاحتجاج الاجتماعي:
يمكن حصر مصطلح الاحتجاج الاجتماعي في ثلاثة أنواع: الانتفاضة، والحركة الاجتماعية، والحركات الاجتماعية الجديدة، يترجم الاحتجاج الاجتماعي التغيرات الاجتماعية، ويظهر بأشكال متعددة ومتنوعة ويعد الاحتجاج الاجتماعي مصطلحا عاما وفضفاضا، فالبعض يتحدث عن الفتنة أو الانتفاضة أو الشغب أو الفوضى، أو العصيان، أو القلاقل، أو العصيان وحتى الثورة، ويعبر عن الاحتجاج من خلال الاضراب، والتجمهر، والتظاهرات والوقفات، والمسيرات السلمية، وكذلك من خلال الاعتصام… وغيرها.
المحور الثاني: النظريات المؤطرة للفعل الاحتجاجي:
نظرية الصراع الماركسية:
تعتبر نظرية ماركس حول الصراع الطبقي من بين أكثر النظريات التي حظيت باهتمام كبير من قبل المفكرين، نظرا للتفسيرات العلمية التي قدمتها حول ظاهرة الصراع والتناقض الحاصل داخل المجتمع الرأسمالي نتيجة التعارض في الأهداف والمصالح بين الطبقة العمالية والبرجوازية.
يرى هذا الاتجاه أو النظرية أن الحركات الاجتماعية هي ذلك الحراك الجماهيري الذي ينشأ نتيجة للصراع الطبقي ولصراع المصالح المادية (الاقتصادية، الاجتماعية) والتي تهدف إلى التغير، وبهذا فإن النظرية الماركسية تنظر للحركات الاجتماعية بكونها تنشأ نتيجة للظروف اقتصادية واجتماعية قاسية والتي تدفع طبقة من الطبقات لتوحيد صفوفها لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التقدم الاجتماعي، وتنطلق هذه المقاربة من دراسة الواقع الاجتماعي للحركات الاجتماعية من واقع أن الحركة الاجتماعية محكومة بجوهر الانسان الذي يكمن في منظومة علاقات الإنتاج الاجتماعية، والتي تعتمد على شكل من الملكية لوسائل الإنتاج وتوزيع الثروات، وذلك من خلال الصراع بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) المقهورة والمستغلة من الطبقة الرأسمالية (البرجوازية) المسيرة، الأمر الذي سيقود انتصار الأولى على الثانية بهدف القضاء على الطبقات في المجتمع..
نظرية الهوية الاجتماعية: تأسست نظرية الهوية الاجتماعية على افتراض جوهري، وقناعة ويقين مفاده أن عضوية الجماعة تساعد الناس في تحديد معان ودلالات المواقف الاجتماعية، وأن عضوية الناس في جماعة اجتماعية معينة تساعدهم في تحديد وتعريف جزء من ماهية ذواتهم وفي تقرير طرائق الارتباط والتعامل مع الاخرين.
وتمثل نظرية الهوية الاجتماعية في سياق علم النفس الاجتماعي “دراسة التداخل والتفاعل بين الهويات الشخصية والهويات الاجتماعية، وتهدف هذه النظرية إلى تعرف وتعيين والتنبؤ بالظروف والشروط التي يفكر بموجبها الأفراد في أنفسهم كأفراد أو كأعضاء في جماعة.
وتبرز هذه النظرية مدى إحساس الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة، وبهذا فهي تفسر شعور الأفراد الذين ينتمون إلى الالتراس.
نظرية تعبئة الموارد: تبلورت هذه النظرية في الستينيات من القرن العشرين، ارتكانا إلى فهم خاص يبحث في انبناء الحركات الاجتماعية واليات تدبيرها وتشكلها بواسطة الموارد الاقتصادية والسياسية والتواصلية التي تتوفر للأفراد والجماعات المنخرطة في الفعل الاحتجاجي، دون إغفال القدرة على استعمال هذه الموارد، ويعد أوبرشال oberschalوغامسون gamson وتيلي tillyوماكارتي زالد Mccarthy zald من أبرز منظري هذا الاتجاه، ويعتقد أصحاب هذه النظرية أن الحركات الاجتماعية هي استجابات منطقية لمواقف وإمكانيات طرأت حديثا في المجتمع، وبهذا لا يجب اعتبارها مؤشرات للاختلال الاجتماعي، بل هي مظهر من مظاهر الفاعلية الاجتماعية ومكون بنيوي من العملية السياسية.
نظرية الحرمان النسبي:
تفسر هذه النظرية ضهور الحركات الاجتماعية ونشأتها إلى شعور الأفراد بالحرمان من جراء إحساسهم بالتناقض بين التوقعات المشروعة والواقع أو ضمن المقارنات بين أحوالهم في الماضي والحاضر، أو ما بين أنفسهم والاخرين، فيشعرون بالرضا إذا ما كانوا أفضل حال، وبالإحباط والسخط إن ما كانوا أسوء حالا ومنه يتحول سلوك الأفراد إلى حركات اجتماعية.
وفقا لنظرية الحرمان النسبي، فإن مشاعر الشخص تجاه مصيره تعتمد على معايير نسبية أكثر من اعتمادها على معايير مطلقة، اعتمادا على خلفيتهم الاجتماعية، فيمكن أن يشعر الشخص بالسعادة والرضا (إذا كان أداؤه جيدا أو أفضل منه)، أو غير سعيد وغير راض (إذا كان أداؤه أسوء منه)، واستخدم العديد من المؤلفين هذا المفهوم لشرح مجموعة من الظواهر الاجتماعية، وحاول العديد من المنظرين تحديد الظروف التي قد تؤثر على مشاعر العلاقات العامة.

المحور الثالث: الخطاب الاحتجاجي للألتراس داخل الملاعب الرياضية:
الهوية الاجتماعية للالتراس:
إن فضاء ملاعب كرة القدم هو مجال للقاء والتشجيع والمنافسة وللاحتجاج الاجتماعي وهو أيضا إعلان عن هوية اجتماعية، فالانتماء إلى “ألتراس” معين هو إعلان هوياتي لذلك الفريق والذي سيصر الفرد جزء لا يتجزأ منه، وهو أيضا انتساب اجتماعي من خارج الجماعات الرئيسية والعلاقات التقليدية والمتمثلة في العائلة أو أصدقاء العمل أو زملاء الدراسة أو علاقات الجيرة الخ، وهذا الانتماء إلى هذه الجماعة يهدم كل تراتبية اجتماعية توجد خارج فضاء الملاعب، سواء أكانت تراتبية على المستوى الدراسي أو المهني، وأيضا هدم لكل اختلاف عقائدي، وبالتالي تتولد روح عامة حسب تعبير لوبون غوستاف.
وتظهر هذه الهوية الجماعية من خلال الشعار الخاص بكل جماعة “ألتراس” حيث يكون هذا الشعار بمثابة رمز لهويتها ويميزها عن غيرها من الفرق، بألوانها التي تم اختيارها (أبيض /أخضر)، (أبيض/ أحمر) وأيضا من خلال الرمز الموجود في الشعار(مثلا النسر الموجود في شعار فرقة الرجاء) وما يحمله من دلالات.
صورة رقم (1) الشعار الخاص لكل من فرقة نادي الرجاء الرياضي، وفرقة نادي الوداد الرياضي.

فهذه اللافتات الموجودة أعلاه، والتي تمثل رمز “نادي الرجاء” و “نادي الوداد” تساهم في الإشارة إلى “الالتراس” وإبرازه، وحاملة لهوية ورمز الانتماء، فالرموز تشكل أدوات “التضامن الاجتماعي” بلا منازع:ومن حيث هي أدوات معرفة وتواصل، فهي تخول الاجماع بصدد معنى العالم الاجتماعي، ذلك الاجماع الذي يساهم أساسا في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي، فالتضامن المنطقي شرط للتضامن الأخلاقي.
بالإضافة إلى ذلك فالسلوك التشجيعي للألتراس وهو سلوك جماعي بطبعه من خلاله تغيب قيم الفردانية، حيث يمثل الغناء الجماعي والمتناغم وسيلة لصنع روابط جماعية، فالمشجع يذوب صوته وسط الجماعة وبالتالي يصبح الفرد جزء لا يتجزأ داخل الجماعة، فيتماهى الفرد في الجماعة، وبهذا تتحول مدرجات ملعب كورة القدم إلى فضاء هوياتي.
صورة رقم (2) تبرز جماعة التراس الرجاء البيضاوي وهم يرددون أغاني بشكل جماعي ومتناغم ويحملون تيفويات.

وبهذا فإن أبرز ما تتميز به هذه الأخيرة هي الهوية الاجتماعية، وبالتالي فأن تكون فرد أو عضو من أعضاء “ألتراس” يعني أن تتصف بمجموعة من المواصفات والخصال كالتضحية والشجاعة والاستعداد للدفاع عن مصالح الفريق والحفاظ على شرف الجماعة وهذا يظهر من خلال الجملة التالية “بالتضحية والإخلاص نعيش حياة الألتراس”، ويقومون ببناء أو تبني قيم وأخلاق مشتركة تكون بمثابة عقد اجتماعي يمتثل إليها جميع أفراد جماعة “ألتراس”، وتتشكل هذه الهوية عن طريق روابط انتماء وتمثلات تترسخ من خلال ذاكرة وتاريخ مشترك ومبادئ مشتركة ، فهذه الجماعة هي نتاج لأفعال محددة وتسعى هذه الجماعة إلى الاعتراف بها ككل متجانس، فالشعور باللامبالاة والتهميش من طرف المجتمع والدولة هو الذي يؤدي إلى تمرد هؤلاء الشباب المنتمين “للألتراس داخل الملاعب، وبالتالي فالشعور بالانتماء إلى تلك الجماعة هو المؤدي والمحرك والدافع للاحتجاج، بالإضافة إلى عوامل أخرى كالأقصاء والقمع والتجاهل والاستهزاء، كل ذلك يؤدي إلى رفع خطابات تعبر عن أوضاعهم الاجتماعية، هذه الخطابات والشعارات التي يحملونها تمتزج فيها “الذات الجماعية”من جهة، ومن جهة أخرى تحمل نسق خطابي احتجاجي.
ونستحضر على سبيل المثال والتوضيح تحليل لخطاب أحد أغاني الوداد، “بغرام كبيير تغرمنا بيه وحنيا صغار بالفرحة نطير كي نشوفها داخل للسطاد سي لافونير، صباح وعشية عليك نهضاار غادسا نبقا فديل تا للقبر، اشمن قانون تخلقون لينا الحركية مشي معقول،.. وخا نموت نبقا فيدال للفكرة، نعيشو خوت في الحلوة والمرة… فكرنا فمصلحة ليكيب …”، فهذه الكلمات تبرز مجموعة من الدلالات التي ذكرناها سابقا، حيث تبرز الحب الشديد لهذه الفرقة والولاء التام لها حتى الموت “نبقا فيديل تا لقبر…، نبقا فيدال للفكرة” وكلمة فيديل هي كلمة فرنسية تدل على الإخلاص والوفاء، كما تبرز الهوية الجماعية من خلال الرابط الاجتماعي الذي يجمع هذه الجماعة وهو “الأخوية”، “نعيشو خوت في الحلوة والمرة” أي الروح الرفاقية التي تسود بينهم، وهذه الأخيرة هي من أهم الفروق التي تحدث عنها “زيبيشي” في قراءته ل “ماكس فيبر وتمييزه بين التجمع association والمجتمع community فالتجمع يسعى لتحقيق مصالح أفراده وتمثيلهم فيما يعني المجتمع بالعلاقات بين أفراده ولا يهمه تمثيلهم بقدر التضامن بينهم، ويفسر ذلك العديد من القيم والشعارات الحاكمة للألتراس ومبادئهم مثل إنكار الذات والمجهولية والبعد عن الاعلام، والدفاع عن الأصدقاء وحمايتهم، هذا المبدأ الأخير عنصر أساسي في رؤية “الألتراس” لأنفسهم كمجموعة معرضة للخطر وتتورط كثيرا في مواقف عنيفة.
وإلى جانب هذا يجب الإشارة إلى جزء من أغنية الرجاء ” فبلادي ضلموني”، “فهاد لبلاد عايشين فغمامة طالبين السلامة، نصرنا يامولانا”، هذه الكلمات والتي بصيغة الجمع تدل أيضا الهوية المشتركة ل”الألتراس أي عبارة “نحن” الجمعية، وكما تحمل هذه الكلمات في معانيها التعبير عن السخط عن الوضعية الاجتماعية، والظلم والتهميش وبهذا فهي خطاب احتجاجي اجتماعي.
المحور الربع: ملعب كورة القدم: من فضاء التشجيع الى فضاء المعارضة السياسية
_ الالتراس وإعادة تعريف ماهو سياسي_
يعتبر فضاء ملعب كورة القدم فضاء منافسة رياضية بين فرقين تخضع لقواعد لعبة لضمان السير الجيد لهذه اللعبة، كما تعتبر مدرجات هذه الملاعب مكانا للتشجيع من طرف جماعة “الألتراس” هدفها تشجيع فريقها والحط من خصومها، لكن وفي السنوات الأخيرة أصبحت هذه الملاعب والمدرجات تتخذ مسارا اخر حيث لم تعد تقتصر على ترديد ورفع شعارات أغاني وأهاجز ذات دلالات تشجيعية لفريقها، بل باتت تعرف مضامين تحمل في ثنايا معانيها محتويات عميقة ذات بعد سياسي ،وقد بدأت هذه المضامين الاحتجاجية إبان موجة الربيع العربي التي عرفتها البلدان المجاورة ، وبهذا شكلت انتفاضات 2011 نقطة محورية في واقع هذه الجماعات حيث أصبحت تتناول خطابات سياسية واجتماعية، وترفع شعارات ثورية تمردية على فساد الحكومات والتهميش والاقصاء الذي تعرفه هذه الفئة الاجتماعية من طرف الدولة.
ومن هنا لابد من استحضار الخطاب الاحتجاجي لهذه الجماعات باعتباره أحد اليات صنع الخطاب الاحتجاجي، وذلك من خلال تحليل محتويات ومضامين هذه الخطابات داخل مدرجات الملاعب، ونستورد أغنية “فبلادي ظلموني” وتشكل هذه الأخيرة أهم تلك الأغاني من حيث العمق السياسي، وكما أن لها حضور قوي للقضايا السياسية والاجتماعية، كما تحاكي هموم المشجعين، والتي جاء المتن الاحتجاجي في مضامينها كالتالي: ” فبلادي ظلموني، لمن نشكي حالي…فهاد لبلاد عايشين فغمامة طالبين السلامة… صرفو علينا حشيش وكتامة خلونا كليتما… مواهب ضيعتوها بدوخة هرستوها كيف بغيتو تشوفوها فلوس لبلاد كاع كليتوها للبراني عطيتوها جيغيناتيو قمعتوها… اقتلتو لاباسيون”، هذا المتن يبين شعور هؤلاء بالظلم فوطنهم، ويبرز أيضا مجهولهم “فهاد لبلاد عايشين فغمامة”، وأيضا يبين فساد الحكومات وسرقة مال اليتامى والقمع الذي يواجه هؤلاء من طرف السلطات، وقتل شغف هؤلاء الشباب اقتلتو لاباسيون”. ونشير أيضا إلى أغنية من أغاني الوداد “بصوت الشعب للي مقموع” والتي تحمل رسالة قوية للحكومة وتبرز قمع الحكومات والاستبداد والاحتقار والمرافعة الشعبية والقهر الاجتماعي، وجاء هذا الخطاب الاحتجاجي في الكلمات التالية: “بصوت الشعب لمقموع، بصوت الناس المهمومة، جاي نغني جاي نقول، جاي نكلاشي الحكومة، بالطغيان فاتو الحدود بالمطرك ظربوني، الحرية لي بغينا يا ربي، ولي محكوم غير مظلوم، فبلادنا القانون راه حكار، يا ربي تغير المنكر”، هذا المتن يبين ثقافة التعويض على اعتبار أنهم يتكلمون بصوت كل المجتمع، من خلال هذه الأغاني والأهاجيز والتي تحمل في طياتها مضامين احتجاجية، يتبين أن فضاء ملعب كورة القدم أصبح منبر سياسي بامتياز.
إلى جانب هذه الأناشيد التي يرددونها جماعة “الالتراس” والتي تلخص نظرة هؤلاء للأوضاع الاجتماعية والسياسية، باعتبارها الية من اليات صنع الخطاب الاحتجاجي، نجد الية ووسيلة أخرى لصنع الخطاب تتمثل في الغرافيتي أو التيفويات وهذا الأخير يأتي على شكل رسومات وشعارات على قطع كبيرة من القماش أو البلاستك، هذه التيفويات هي وسيلة للتعبير عن اراء جماعة “الالتراس” وايصال أصواتهم، وبالتالي وسيلة للاحتجاج لما باتت تحمله التيفويات من رسائل سياسية تعبر عن مطالبهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتنقد الحكومات، وهنا نستحضر تيفو الرجاء البيضاوي “فالقبة التكركير…فالمقرر البغرير” والتي تنتقد جماعة “الألتراس” فيه البرلمان، حيث اعتمدت “وزارة التربية الوطنية والتعليم” أسماء حلويات بالدرجة المغربية في إحدى الكتب المدرسية الامر الذي اثار نقاشا واسعا على واقع التواصل الاجتماعي والواقع المعاش، وبالتالي ترجمت هذه الكلمات في هذا التيفو احتجاج على سوء النظام التعليمي بالمغرب، كما تستهزأ بالبرلمانين من خلال لفظ “فالقبة التكركير” والقبة والتي تعني بها البرلمان والتكركير وهي الضحك المبتدل وبهذا تعتبر أن البرلمان مكانا للنكتة والفكاهة.

يتبع……..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.