أقصوصة : حورية في عربة قطار

رزق مدني

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كانت عادتي كل يوم خميس وبعد إنتهاء محاضراتي في الكلية أُلَمْلِم ملابسي المتواضعة وأضعها في حقيبتي المتهالكة وأحملها على ظهري واتجه مسرعاً إلى محطة القطار الذي سينقلني من مدنية الزقازيق التي أدرس بها إلى مدينتي الإسماعيلية، ومنها إلى قريتينا البسيطة سرابيوم، مسقط رأسي.

صحيح المسافة بعيدة، بين مكان إقامتي ومحطة القطار، بخلاف أننا نلامس الأيام الأولى من مايو فالحرارة بدأت في الإرتفاع، لكن ماذا عساي أن أفعل في مثل هذه الأحوال..!
عليّ أن أتذكر مرغماً المقولة المعتادة “المشى رياضة” لكي اهون على نفسك !!

أرصفة الشوارع مزدحمة والواجهات الزجاجية للمحلات تُظهر من خلفها أحدث موديلات الملابس الصيفية وأحذية شركة باتا ذات الجودة المعروفة، ولكن الميزانية الأسبوعية تلاشت ولم يتبقى منها إلا قيمة تذكرة القطار للعودة، لذلك لا أبالي طالما الجيوب خاوية والقطار لن ينتظرني.

رصيف المحطة كان مزدحماً بشكل كبير ولا غرابة في ذلك فاليوم نهاية الأسبوع، اخذت نفسي عميقاً وبدأت أحمل هَمّ ركوبي وسط هذا الكم الكبير من الأجساد المتلاحمة.

لم أنتظر طويلاً على الرصيف حتى جاء القطار في ميعاده وعلى غير عادته! ومع التدافع وجدت نفسي واقفاً على قدم واحدة داخل إحدى عربات القطار، فحمدت الله على هذا الإنجاز الكبير، فهناك الكثير غيري ممن لم يحالفهم الحظ.. عليهم الانتظار، لموعد أخر وقطار أخر، ورحلة أخرى من العذاب، ومنهم من تسلق سطح القطار أو بين العربات غير مبالاً بالمخاطر التي قد تحدث.

ما أن بدأ القطار يتحرك، إلا وقد جلس على المقاعد من ابتسمت له المقادير، وهذا نادراً، أما من لم يحالفه الحظ مثلي، فعليه أن يتحمل مشّاق الوقوف، مع مكابدة شدة الزحام، وتذكر كل آيات الصبر لكثرة ما سيناله، من تخبط القادم والغادي من الركاب ورائحة العرق المتصببة من الأجساد تنقلك إلى عالم آخر، ناهيك عن النوافذ المهشمة التي يأتيك منها هواء ساخن يلفح وجهك فيضيق صدرك. وليت كل ما سبق وكفى بل راح الجوع ينهش في معدتي التي لم تعرف للطعام مذاق منذ ليلة البارحة، فأنى لي بطعام والجيوب خاوية وصاحب البقالة المجاور لمسكني لا يعطي بالآجل لمثلي من الطلاب.

كلها أمور جعلتني أشعر وكأني في رحلة وسط صحراء كلهاري الموحشة بعد أن فقدت ناقتي التي تحمل الزاد والزواد ورحت انتظر الفرج في عودتها.

مفاجأة أذهلتني وجعلتني أنسى قرقرة، معدتي والزحام الشديد وكل مآسي القطار، بل شعرت كأني أتنزه في أفخم المنتجعات الفرنسية في رحلة ترفيهية لن أدفع فيها فلساً واحداً.

لمحتها سريعاً، لقد كانت هي؟. سألت نفسي من الغير المعقول أن تكون هي؟.
ثم أجيب في خاطري نعم هي؟

هل أنا في حِلم؟ أم في عِلم!

رأسي دارت قليلاً فأغمضت عيناي وفتحتهما.

صافرة القطار التي تصرخ بين الحين و الآخر وأصوات الباعة المتجولين، ورائحة السجائر المنبعث من أنوف المدخنين، كلها دلائل تؤكد أني مستيقظ ولا أحلم.

نعم أنها هي تلك الفتاة، التي رأيتها مرتين من قبل، منذ شهر ونصف تقريباً، مرة في الكلية، ومرة أخرى في نفس القطار وكانت أيضاً آخر الأسبوع، ومن وقتها وقلبي مهاجر إلى روضتها ووطنها البعيد عني فكيف الوصول إليه وأنا لا أملك جواز سفر أو تأشيرة دخول!

بالرغم من هزهزة القطار المتلاحقة لكنها تجلس في هدوء تام ولا تنظر لأحد وتضع يدها اليمنى على خدها لترسم علامة إستفهام كبيرة، ماذا بها؟

من الذي جاء بهذا المَلاك وسط هذه البشرية الموحشة المقفهرة، غلاء الأسعار وسوء الأحوال، فالكل يحمل همه في نفسه ويهمهم بما يجول في خاطره من مآسي لا تحصى ولا تعد في وطن غالي رهن حكامه أوجاع شعبه لدى مماليك العصر مقابل ثمن رخيص خلود بلا موت.

سألت نفسي ما الذي جاء بها الملاك بيننا..!! ليتني أمتلك ثمن حصان أبيض أختطفها وأحملها الي رياض بعيدة، فلا مكان مثلها علي هذه الأرض أعود وأفيق من غيبوبتي، أي رياض وبطنك خاوية وقدماك شبه حافية.

قلبي بدأ ينبض بقوة لدرجة أني خشيت أن يفضحني وسط هذا الزحام الشديد، والعرق بدأ يتصبب فرحاً بقربي منها لا من شدة حرارة.

مشاعري هاجت فالسعادة لا توصف وبدأ عقلي يَلح عليّ أن أجد طريقة كي ترفع وجَهها في وجهي لتتكحل عيوني برؤية عيونها ويهدأ قلبي برؤية وجهها الوضاء.

سريعاً جال بخاطري أفكار طفولية مجنونة…

هل هذا الوجه الجميل لحورية جاءت لتتفقد أحوال الرعية المقهورين في الأرض ثم تعود إلى جنتها مرة أخرى لتحكي عن أحوالنا ولسكان العالم الأخر كيف يعاني بنو البشر من مآسي في وطن يدعى المحروسة؟

هل الدماء التي تجري في عروقها مثل دمائنا لونها أحمر أم أن دمائها بيضاء كالثلج السيبيري؟

ما هذه العذرية التي تتلألأ على جبهتها ؟

لا يمكن أن يكون غذائها مما نأكل نحن عامة الناس؟ لكن كيف؟ بالتأكيد تأكل مما نزرعه نحن الفلاحين؟

عقلي مازال يَلِح عليّ يجب أن ألفت إنتباهها أني هنا.

لكن كيف؟

ففكرت أن أستعير الجريدة التي تضعها بجوارها!

خجلي يمنعني وخشيت أن ترفض.

ماذا عساي ان أفعل؟!!

الوقت يمر و أشعر أن القهر والحزن سيتملكني إن لم أخاطب لسانها ولو بنصف كلمة ،أو أن تلتقي عيوني بعيونها ،فقد تفتح لي الأبواب واحصل على تأشيرة أو إمضاء بسيط بعدم الممانعة للولوج إلى قلبها.

يا حظي العاثر القطار يجري والوقت يمضي، لأول مرة في حياتي أتمنى أن تصيب عجلاته مكروه أو أن ينفد وقوده فيتوقف، فلا مانع عندي من الوقوف هكذا ساعات طالما أن من تأتيني في أحلامي جالسة كالملاك أمامي

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.