في حادثة ” المنشط الجنسي” وغياب التربية الجنسية في الأسرة والمدرسة
حين يثار نقاش التربية الجنسية كطابو” tabou ” كبير داخل المجتمع المغربي، الذي غالبا ما يطفو إلى سطح النقاشات العمومية أثناء حوادث عابرة ومعينة ” اغتصاب، اغتصاب جماعي، تحرش، قتل بدافع جنسي..” وتنقسم غالبا الآراء حوله بين مؤيد ومعارض، بين من يعتبر أن التربية الجنسية صارت ضرورة ومطلب اجتماعي وثقافي داخل الأسرة والمدرسة، ومن يعتبر أن الخوض في فضح هذا الطابو والكشف عنه في العلن وفي النقاش العمومي أو تقنينه ضمن مؤسسات التربية والتعليم، كلها مطالب يراد بها شرا وإفساد المجتمع وقيمه، وغالبا ما ينطلق هذا التيار الأخير من قناعات دينية “نحن في مجتمع إسلامي” والذي يكتفي بالتذكير بالمحذورات من خلال تعاليم الحساب والعقاب والترهيب والترغيب من خلال اتخاد المعايير الأخلاقية معايير ناظمة للحياة الاجتماعية.
إن جعل ثقافة الجسد أو ” الأجساد” حبيسة المنظومة الأخلاقية الفقهية التي تتسم بكثير من المثالية تضع غالبا الأفراد والمجتمع في تناقض تام بين ما تدعو له هذه المنظومة ككيان أخلاقي يفرض نفسه على الأفراد وبين ما هو كائن وواقعي في الحياة اليومية للمجتمع، وهي بذلك تساهم في مزيد من الصمت عن ظواهر الجسد التي تتجاوز التربية الجنسية لتغدو صمتا عن أمراض نفسية مسكوت عنها اجتماعيا، بالإضافة إلى أن المنظومة الدينية الأخلاقية تعزز موقف أخر وهو موقف الثقافة السائدة في المجتمع حول هذه الظواهر .
فالواقع المعاش يمكن أن يضعنا أمام أسر فاقدة لأسس التربية ولأسس المسؤولية. تأتي معظم الأسر الفقيرة ” الشعبية” بالطفل إلى العالم باعتباره قدر وعطاء وهبة من الله، هذه المسلمة في الخطاب الواقعي للأسر الفقيرة ،والتي قد تفتقد إلى مستوي تعليمي، تؤسس لنوعين من العلاقة بين الوالدين والطفل : تتعلق الأولى بالحرمان العاطفي الذي يتأسس على فقدان العلاقة مع الوالدين أو أحدهما، نتيجة لغيباهما أو غياب أحدهما من حيث الواجب والرعاية بالنوعية المطلوبة (حجازي، الصحة النفسية، ص،172 .) في خلق توزان نفسي وشخصية الطفل، والذي ينعكس سلبا عليه وعلى صحته النفسية، أما العلاقة الثانية فهي التملص من المسؤولية الكاملة وعدم القدرة على تجاوز فطرة الوالدين وإحساس الأمومة والأبوة البيولوجي إلى مسؤولية المربي والمنشئ، الذي يمتلك الكفايات الأساسية في توجيه الأطفال وتربيتهم على التمييز والتعامل وفق المواقف اليومية ومدهم بنماذج تربوية صالحة لهذا المجتمع.
أغلب دراسات سوسيولوجيا الأسرة تمدنا بنماذج عديدة للأسر، انطلاقا من الأسرة الممتدة إلى أسرة أحادية النواة، وبقدرما تتنوع نماذج الأسر بقدرما تتابين نماذج التربية فيها، والانتقال من فئة اجتماعية إلى أخرى بالضرورة هو انتقال بين نماذج مختلفة ومتباينة من الأمومة، والأبوة، والطفولة، على أن الدلالة الاجتماعية لدور الأب والأم في الأسر المغربية ترتبط عادة بقيمة الأبوة والأمومة والتي ينشئ عليها المجتمع، فالبنت تنشأ منذ صغرها كي تصبح زوجة وأما، فيما يتم تنشئ الرجل في كونه معيلا للأسرة ومسؤولا عنها. ( حجازي، الصحة النفسية، ص،2001.) وبالتالي تترسخ في ذهن الأنثى صورة أن تصبح أما كأمها باعتبارها النموذج الأقرب لها والذي عايشته، و الذكر يصير صورة لأبيه، خاصة بين الأسر التي تفتقد إلى مستوى تعليمي قادر على جعلها تتبنى نماذج غير التي تربت داخلها، على غرار الفروقات الشاسعة يمكن تسجل بين العالم القروي والعالم الحضري لنماذج ثقافة التربية.
هناك ظروف وتحولات عرفها المجتمع المغربي تدفع بالضرورة على سبيل المثال لا الحصر إلى فهم علاقة الأطفال بالأم خاصة من منظور شمولي ، لا يأخذ بعين الاعتبار المعاملات الجسدية المادية فقط وانعكاساتها على البنيان العاطفي للطفل رغم ما يكتسيه هذا البنيان من أهمية خاصة في الأسابيع أو الشهور الأولى. ولكن كما يقول محمد جسوس في هذه العلاقة يجب التركيز على ما يحدث من تبادل وعلى ما يحدث من تلقين ومن تربية على الصعيد المعرفي وعلى صعيد القيم والنماذج السلوكية.(محمد جسوس، رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، ص، 43.).
فعلاقة الوالدين بالأطفال نفسيا واجتماعيا تتجاوز حدود الأسرة الضيقة إلى ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي خاصة ضمن المجتمعات المعاصرة التي أصبح فيها الطفل ذا تكلفة اقتصادية واجتماعية ( تكلفة التعليم ، اللباس، الاكل، الترفيه..) يعود هذا العجز في احيان كثيرة إلى عدم توفر الأسر بمختلف انتماءاتها الاجتماعية والثقافية والمجالية على مشروع تربوي يقوم على فلقسة وتصور معينين، وعلى مدرسة تغيب التربية الجنسية من برامجها وفلسفتها التربوية والتعليمية، وانعدام مشاريع لمؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني موجهة وتتابع انشغالات الأطفال كفئة اجتماعية مهمة، ما يساهم في غياب معرفة شاملة حول طرق التعامل مع الظواهر التي تخص الطفولة وفي نفس الوقت عدم وضوح التصورات الاجتماعية حول حاجيات الأطفال والمشاكل وطرق معالجتها.
إذا السؤال هو: من أين نبدأ ؟ وهل يمكن ان تكون التربية الجنسية داخل المؤسسات التعليمية حلا لأسر تفتقد لأسس التربية في أدنى تجلياتها ؟ أم نذهب بعيدا لندعو إلى إعادة تنشئة الشباب قبل الزواج في ما يسمى الآن ب” التأهيل قبل الزواج”؟
لا يمكن اختصار التعامل مع مشاكل وظواهر الطفولة خاصة في جانبها الجنسي في حقل معين او في مؤسسة بعينها، فالمدرسة لا يمكنها أن تلبي حاجيات الطفل النفسية والاجتماعية في آن واحد، ذلك أن المدرسة العمومية التي يلجها معظم أطفال المغاربة لا تتوفر على تلك الشروط التي يمكن أن تتنزع الطفل من محيطه الاجتماعي والثقافي بشكل كامل، فهي بالكاد بكل ما تتوفر عليه من أليات مادية وبيداغوجية تستطيع أن تلبي الجانب المعرفي للأطفال، وهي مؤسسة بدورها تفتقد إلى مشروع اجتماعي واضح وصريح حول نموذج الطفل الذي نريد ومنه المواطن الذي نطمح إلى تكوينه.
أما الأسرة المثالية التي ينشدها المجتمع أحيانا ويغيبها أحيانا أخرى، فمحكومة بظروفها الاقتصادية والاجتماعية، وقد لا تملك أدنى فكرة عن كفية تربية طفل، في عالم متغير أخلاقيا وتربويا. وفي الوقت ذاته لا يمكن الفصل بين هاتين المؤسستين باعتبارهما أولى المؤسسات التي يتعرف فيها الطفل على ذاته وتتكون فيهما جوانب شخصيته: النفسية والوجدانية، والمعرفية، والاجتماعية، والصحية، غير أن دورهما يبقى محدودا وناقص في غياب مؤسسات أخرى تعنى بالطفولة بما في ذلك مؤسسات الدولة والفاعلين السياسيين ومؤسسات المجتمع المدني والمختصين في ظواهر الطفولة بما فيهم السيكولوجيين والسوسيولوجين والبداغوجيين.
الكاتب: يوسف بايو؛ إطار الدعم الاجتماعي والنفسي، وباحث متخصص في الطفولة والشباب
