اتفاق تاريخي بين دمشق و”قسد”: خطوة نحو وحدة سوريا أم تسوية مؤقتة؟
في تطور مفاجئ قد يعيد رسم ملامح المشهد السياسي والعسكري في سوريا، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، عن توقيع اتفاق تاريخي يهدف إلى دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تحولًا استراتيجيًا نحو إنهاء النزاع المسلح في شمال شرق البلاد وتعزيز وحدة الأراضي السورية.
وفقًا لبيان صادر عن الرئاسة السورية عبر منصة “إكس”، فإن الاتفاق يتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”، بحيث تصبح تحت إدارة الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز.
كما يضمن الاتفاق مشاركة جميع السوريين في العملية السياسية ومؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، دون تمييز عرقي أو ديني، مع التأكيد على أن المجتمع الكردي جزء أصيل من الدولة السورية، ويتمتع بكامل حقوقه الدستورية والمواطنة.
يُعد هذا الاتفاق تحولًا جذريًا في العلاقة بين دمشق و”قسد”، التي تأسست عام 2015 كتحالف بين الفصائل الكردية والعربية والسريانية، بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وعلى مدار السنوات الماضية، ظلت العلاقة بين الطرفين متوترة بسبب استقلالية “قسد” الإدارية والعسكرية عن الدولة السورية، خاصة مع سيطرتها على مناطق استراتيجية غنية بالنفط والزراعة، حيث يُقدر إنتاج حقول النفط الخاضعة لها بنحو 100 ألف برميل يوميًا.
ويرى مراقبون أن الاتفاق قد يكون محاولة من دمشق لاستعادة السيطرة على المناطق الشمالية الشرقية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من المنطقة.
يُتوقع أن يثير الاتفاق ردود فعل متباينة، خاصة من قبل تركيا التي تعتبر “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المصنف لديها كمنظمة إرهابية، وقد ترى في هذا التطور تهديدًا مباشرًا لمصالحها الأمنية. من جهة أخرى، قد يكون الموقف الأميركي مترددًا، نظرًا للدعم الذي قدمته واشنطن لـ”قسد” في حربها ضد تنظيم “داعش”، إلا أن رغبة الولايات المتحدة في تقليل التزاماتها العسكرية في سوريا قد تدفعها للتغاضي عن هذا الاتفاق.
رغم التفاؤل الذي رافق الإعلان عن الاتفاق، إلا أن تحديات كبيرة لا تزال قائمة أمام تنفيذه على أرض الواقع. إذ يتطلب دمج قوات “قسد” في الجيش السوري إعادة هيكلة عسكرية معقدة، فضلًا عن تحديات تتعلق بإدارة المناطق النفطية، وضمان حقوق مختلف المكونات العرقية في شمال شرق سوريا.
كما أن نجاح الاتفاق مرتبط بمدى التزام جميع الأطراف به، خصوصًا مع وجود فصائل كردية غير منضوية تحت قيادة “قسد” قد ترفض هذا التوجه، إضافة إلى الجماعات المسلحة الموالية لتركيا، والتي قد تستغل أي فراغ أمني لإعادة التمركز في الشمال السوري.
يبدو أن الاتفاق بين دمشق و”قسد” يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الصراع في سوريا، لكنه لا يزال يواجه العديد من العقبات السياسية والعسكرية. فهل سيكون هذا الاتفاق بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار، أم أنه مجرد تسوية مؤقتة سرعان ما ستنهار تحت وطأة التعقيدات الميدانية والإقليمية؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.
