الرباط تحتضن المناظرة الوطنية حول الإعلام الجمعوي: نحو إطار قانوني واستراتيجية مستدامة
دلال رحيلي
احتضنت العاصمة الرباط، يومي 19 و20 أبريل 2025، فعاليات المناظرة الوطنية حول الإعلام الجمعوي، المنظمة في إطار مشروع “الإعلام المجتمعي” بتمويل من مؤسسة هانس زايدل الألمانية، وبدعم من جمعية مبادرات مواطنة – بوصلة، ومنظمة ERIM، والاتحاد التونسي للإعلام الجمعياتي “UTMA”. وقد شكل هذا الحدث لحظة نوعية جمعت مختلف الفاعلين في مجال الإعلام الجمعوي من الإذاعات المواطِنة بالمغرب، إلى جانب ممثلين عن الإعلام العمومي والخاص، وضيوف من دول مغاربية، في أجواء حوارية مفتوحة رامت تبادل التجارب، وتوحيد الرؤى، والتفكير الجماعي في مستقبل الإعلام الجمعوي.

لم تكن هذه المناظرة مجرد مناسبة للعرض والتوصيف، بل تحولت إلى ورش حيوي لتثمين مكتسبات الإذاعات الجمعوية وتدارس التحديات التي تعترض مسارها. وقد شكلت سياقًا محفزًا لإطلاق نقاش وطني واسع حول ضرورة تأطير هذا القطاع قانونيًا، وتعزيز استقلاليته، وتوسيع هامش اشتغاله في خدمة قضايا المجتمع، خصوصًا في سياق التحولات الرقمية والرهانات التنموية والحقوقية الراهنة. وتمحور النقاش حول موقع الإعلام الجمعوي كرافعة للتعددية، وفضاء للتعبير الحر، وفاعل أساسي في تكريس الديمقراطية التشاركية وتعزيز العدالة المجالية.

وقد خرجت المناظرة بجملة من المخرجات العملية والمقترحات الترافعية التي تعكس نضج التجربة وتطلعات الفاعلين في هذا المجال. في مقدمتها، صياغة اقتراح قانون ينظم مجال الإعلام الجمعوي، يرتكز على الاعتراف الدستوري بالتعددية الإعلامية، ويضمن للإذاعات الجمعوية وضعًا قانونيًا خاصًا يمكنها من أداء دورها المجتمعي بعيدًا عن التضييق والفراغ التشريعي. كما تم التأكيد على ضرورة تحديث الاستراتيجية الترافعية، والانفتاح على فاعلين جدد من مؤسسات، ومجتمع مدني، وشركاء دوليين، قصد تكثيف الضغط الإيجابي نحو تبني هذا الإطار القانوني.

وفي السياق ذاته، تمت الدعوة إلى تطوير نموذج اقتصادي مستدام خاص بالإذاعات الجمعوية، يراعي خصوصية هذه الوسائط غير الربحية، ويعتمد على تنويع مصادر التمويل، وتثمين الموارد المحلية، وإدماج الإذاعات في مشاريع التنمية والتكوين والمواكبة. كما تم التأكيد على ضرورة إحداث دليل ترافعي وطني، يُشكل مرجعًا منهجيًا وعمليًا للفاعلين في الميدان، ويُمكن من تنسيق الجهود وتوحيد لغة الترافع.

ومن بين التوصيات البارزة كذلك، الاشتغال على وضع شبكة برامج مستدامة ومشتركة بين الإذاعات الجمعوية، بما يُعزز التكامل ويُكرس التعددية الثقافية واللغوية، مع التركيز على المواضيع التي تمس الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين، خاصة في المناطق المهمشة. كما دعا المشاركون إلى توسيع شبكة الإذاعات الجمعوية واستقطاب مبادرات جديدة، في أفق تشكيل جبهة مجتمعية قوية، تدافع عن الحق في إعلام ديمقراطي، مستقل، وتشاركي.

وقد شكلت هذه المناظرة، بما طبعها من جدية ونقاشات عميقة وتنوع في الرؤى، خطوة استراتيجية نحو بناء مشروع إعلام جمعوي متكامل، يُراكم على التجارب الحالية، ويؤسس لأرضية صلبة للعمل المستقبلي. وفي ختام أشغالها، تقدم المنظمون بالشكر الجزيل لكل من اسهم في انجاح هته المناظرة الفاعلة مع تشكيل لجنة عمل مغاربية بهدف السهر على سيرورة الاشتغال على مخرجات المناضرة.

