موضات الأمس: هل نتعظ أم نعيد ارتكاب الخطأ؟
بقلم _مريم العمايري_
سؤال يطرح نفسه بإلحاح في ظل موضات الأمس التي أصبحت اليوم مثار سخرية ودهشة. فهل تأملت يومًا في موضات الستينات أو السبعينات أو الثمانينات؟ كيف كانت الشعوب تلهث خلفها بشغف، تتبناها بحماس، ثم ما تلبث أن تتحول إلى مجرد ذكريات باهتة أو مضحكة؟
هل سخرت يومًا من تلك الصيحات القديمة؟ من نظريات وفلسفات كانت تُعتبر “ثورية” في زمانها، لكنها اليوم لا تعدو كونها موضات فكرية عابرة نتساءل عن جدواها وتأثيرها الحقيقي؟
وماذا عن الموجات الفكرية التي اجتاحت العالم خلال العقود الماضية؟ كيف غزت المجتمعات، وطبعت بصمتها على الفكر والثقافة؟ أليست اليوم في نظر البعض مجرد فقاعات فارغة، بلا جذر ولا ثمرة؟
لكن ينبغي ألا نغفل أن شعوبًا بأكملها كانت ضحية لهذا الانسياق. انساقت خلف هذه الموضات كقطيع أعمى، بلا تدبر ولا تفكر. في حين أن شعوبًا أخرى حاولت التمرد، لكنها أفرزت ما هو أشد سوءًا.
إن الموضة الفكرية هي استعمار العصر، تُستخدم كأداة هيمنة ثقافية على المجتمعات الأضعف. يتم الترويج لأنماط حياة وقيم غريبة تحت شعارات براقة مثل “الحرية” أو “الحداثة”، دون مراعاة لخصوصية المجتمعات وهويتها.
والزمن لا يرحم الساخرين، فكم من ساخر من موضة قديمة أصبح اليوم ضحية لموضة مشابهة، يسير خلفها مغمض العينين، غائب البصيرة، يتبناها كما هي دون أدنى محاولة للفهم أو التفكير.
تحت مسمى “القطيع”، الذي صار في العصر الرقمي أكثر طاعةً من أي وقت مضى، تتحكم بنا خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، عبر صناعة “موضات فكرية” عابرة مثل موجات الإلغاء (Cancel Culture)، أو موجات التضامن الموسمي، أو “الترندات” التي تخدع العقول قبل القلوب.
وفي مفارقة مؤلمة، نجد من تمرد على الموضة لكنه وقع في فخ “التمرد المجوّف” الذي لا يحمل بديلًا، ولا حتى رؤية مؤقتة. فهل الرفض من أجل الرفض موقف؟ أم انتحار فكري ببطء؟
إن النجاة لا تكمن في الرفض المطلق، ولا في الانقياد الأعمى، بل في امتلاك البصيرة. في التبصر النقدي الذي يمنحنا المسافة الكافية لفهم الأمور في سياقها، وتحليل أبعادها، وتقدير آثارها على النفس والفكر والمجتمع.
نحتاج إلى تبني “المسافة النقدية” بدل الذوبان أو العداء الأعمى.
فهل نتعظ من دروس الماضي؟
أم نكرر التاريخ بخطوات واثقة نحو الهاوية؟
هل نتعلم من أخطاء الأجيال السابقة، أم نعيد ارتكابها بوجه جديد؟
السؤال يبقى مطروحًا، أما الجواب… فعائد إلينا نحن.
