من التبرير الى الانكار: بيان الأغلبية الحكومية هل يقنع جيل Z

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بقلم: عاطف الركيبة.

قرأت بيان الأغلبية الحكومية الأخير؟ فخيل إلي أنني أمام نشرة طقس سياسية: سماء ملبدة بالوعود، مع احتمال زخات خفيفة من الإصلاحات المتأخرة. أشبه ما يكون بوجبة سريعة بلا ملح: كثير من التغليف، قليل من الطعم. تقرأه فتجد نفسك أمام نص يلمع أكثر مما يشرح، ويبرر أكثر مما يقدم. وكأن الحكومة تتعامل مع الشارع مثل طفل صغير: أعطه لعبة من الكلمات يهدأ قليلا.
البيان استهل كالعادة باستحضار خطاب العرش. جميل، لكن هل يكفي الاحتماء بالمظلة الملكية لوقف زخات الغضب الاجتماعي؟ أليس الأجدر أن تثبت الأغلبية أنها قادرة على صناعة شرعية شعبية تبنى بالإنجاز لا بالاستعارة؟ هنا يحضرني قول ماكس فيبر: “الشرعية لا تشترى بالتاريخ وحده، بل تجدد بالإنجازات”.

تحدث البيان عن “الإنصات” للشباب المحتج. جميل. لكن من قال إن الإنصات وحده كاف؟ نحن لسنا في عيادة نفسية، بل في دولة تعد وتؤجل، حتى صار الإنصات نفسه جزءا من الاستهلاك السياسي. والحق يقال، هذا الجيل، جيل Z، لا يحتاج إلى من يصغي له بوقار رسمي، بل إلى من يضع حلولا في جدول زمني.

ثم يأتي البيان ليشيد بـ”تفاعل السلطات الأمنية المتوازن”. يا سلام! كأن التوازن صار وساما على صدر السلطة، وكأن احترام القانون أمر خارق يستحق التنويه. والحقيقة أن ما شهدته الشوارع من مطاردات وتوقيفات واعتقالات يجعل هذا “التوازن” أقرب إلى مشهد كرتوني: حلقة جديدة من مسلسل “طوم وجيري”، حيث يركض المحتجون في الأزقة وتتعقبهم قوات الأمن في لعبة لا رابح فيها. لكن خلف هذه الكوميديا السوداء تكمن مأساة حقيقية: حين يعجز السياسي عن الوفاء بوعوده الانتخابية، لا يجد سوى استدعاء القبضة الأمنية لتأديب من ذكره بعجزه.

إلى متى سيظل هذا السيناريو الرديء يتكرر؟ إلى متى سيبقى السياسي يزج بالشرطة في معارك دونكيشوطية عبثية، ليغطي على فشله في الصحة والتعليم والتشغيل؟ إن أخطر ما في هذه السياسة أنها تحول أبناء الوطن الواحد إلى خصوم ميدانيين، وتزرع مشاحنات وصدامات لا تزيد سوى في تعميق الهوة بين الشارع والدولة. حنا أرندت كانت محقة حين قالت: العنف هو سلاح العاجز سياسيا.

الشق الصحي من البيان بدوره كان أطرف فقراته: إصلاحات “معقدة” ونتائج “لا تقاس آنيا”. بعبارة أوضح: انتظروا… ربما في 2030 سترون بعض الثمار. كأن السرطان والبطالة يعرفان الانتظار! الوعد السياسي هنا يشبه شيكا بلا رصيد. والمصيبة أن الحكومة توزع هذه الشيكات المزيفة بسخاء، وكأنها لا تخشى الإفلاس الأخلاقي.

أما “الدولة الاجتماعية” التي يبشرون بها، فهي مجرد أسطوانة قديمة تدور في كل خطاب رسمي: تشغيل، سكن، عدالة… إلخ. لكنها شعارات تصلح لبروشور انتخابي، لا لبيان سياسي في عز احتجاجات اجتماعية.

باختصار: بيان الأغلبية ليس سوى نص تجميلي، يخلط بين التبرير والإنكار. يشبه إعلانا تجاريا عن منتج جديد، مع فارق بسيط: المستهلك هذه المرة ليس له خيار التجريب، بل هو عالق في الصف ينتظر. وكما قال إميل دوركايم: المجتمع الذي لا يسمع صرخات أفراده يعرض نفسه لشرخ يصعب رتقه. وجيل Z اليوم لا يصرخ عبثا، بل يذكر الدولة بوجوده. لكن إذا واصلت الحكومة سياسة “الإنصات بلا فعل”، فإنها تخاطر بكتابة فصل جديد في كتاب فقدان الثقة. وعندها لن تنفع لا البلاغات، ولا خطابات التجميل، ولا حتى لعبة “طوم وجيري” في الشوارع.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.