جدل الدعم العمومي يعرّي واقع «إعلام التفاهة» في المغرب

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أعاد تدخل برلماني ووزير سابق من داخل قبة البرلمان فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد الإعلامي المغربي، بعد انتقاده الصريح لما وصفه بـ«إعلام التفاهة» أو «صحافة الصرف الصحي»، متسائلًا عن مآل الدعم العمومي الذي تمنحه الدولة لمنابر لا تقدم – حسب تعبيره – أي قيمة مضافة للمجتمع أو للوطن.

هذا التدخل لم يكن معزولًا عن سياقه، بل جاء في لحظة يتصاعد فيها الجدل حول جودة المحتوى الإعلامي، وحدود حرية التعبير، والمسؤولية الأخلاقية للصحافة، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع لمنصات رقمية تبني انتشارها على الإثارة والفضائح والمواضيع المخلة بالحياء.

دعم عمومي خارج منطق المصلحة العامة

الدعم العمومي للصحافة وُجد أساسًا لتقوية الإعلام المهني، وضمان استمرارية المنابر الجادة، وحماية التعددية، وتمكين الصحافة من أداء دورها الرقابي والتنويري. غير أن الواقع، كما يراه عدد من المتابعين، يكشف عن اختلال واضح في توزيع هذا الدعم، حيث تستفيد منه أحيانًا منصات لا تحترم أبسط قواعد العمل الصحفي.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول المعايير المعتمدة في منح الدعم، وحول مدى ارتباطه بجودة المحتوى، واحترام أخلاقيات المهنة، وخدمة الصالح العام، بدل الاكتفاء بمؤشرات رقمية سطحية مثل عدد الزيارات أو المشاهدات.

بين الصحافة والمحتوى المبتذل

الخلط المتعمد بين الصحافة والمحتوى الترفيهي المبتذل بات من أبرز ملامح الأزمة. فباسم “السبق” و“الجذب”، تحولت بعض المنابر إلى فضاءات لنشر الفضائح، وتضخيم الأحداث الهامشية، والتشهير بالأفراد، في غياب تام للتحقق، والتحليل، والسياق.

هذا النوع من “الإعلام” لا يكتفي بإضعاف الثقة في الصحافة، بل يساهم في تمييع النقاش العمومي، وتسطيح وعي المتلقي، وتحويل القضايا الحقيقية إلى مواد ثانوية أمام سيل من التفاهة المصنّعة.

حرية التعبير وحدود المسؤولية

يتم في كثير من الأحيان الاحتماء بشعار حرية التعبير لتبرير هذا الانحدار، غير أن حرية التعبير، كما هو متعارف عليه ديمقراطيًا، لا تعني الفوضى، ولا تبرر المساس بالقيم المجتمعية، ولا تشرعن الإساءة والتشهير.

فالصحافة ليست مجرد حق، بل هي أيضًا مسؤولية. ومن دون هذه المسؤولية، تفقد الحرية معناها، وتتحول إلى أداة للإضرار بالمجتمع بدل خدمته.

استحسان مجتمعي ودلالاته

اللافت أن خطاب البرلماني لقي تفاعلًا إيجابيًا واسعًا داخل الأوساط المغربية، ما يعكس وجود شعور عام بالضيق من تدهور مستوى الخطاب الإعلامي، ومن هيمنة الرداءة على حساب الجودة والمهنية.

هذا الاستحسان لا يعني بالضرورة رفض حرية الصحافة، بل يعكس مطالبة واضحة بإعلام يحترم عقل المواطن، ويواكب قضايا المجتمع بجدية، ويكون في مستوى التحولات التي يعرفها المغرب.

نحو مراجعة شاملة للسياسة الإعلامية

إن النقاش الذي أثير داخل البرلمان يفرض اليوم مراجعة شاملة لسياسة الدعم العمومي، وربطها بشكل صارم بالجودة والمهنية، مع تفعيل آليات المراقبة والمساءلة، وحماية الصحافة الجادة من الإقصاء والتهميش.

فالإعلام ليس ترفًا، بل أحد أعمدة البناء الديمقراطي.
وكل دعم لا يخدم هذا الهدف، يتحول إلى عبء على المجتمع، وإلى شراكة غير مباشرة في تكريس الرداءة.

الرهان اليوم ليس إسكات الأصوات، بل الارتقاء بالمستوى.
وليس تقييد الحرية، بل تحرير الصحافة من التفاهة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.