banner

من قسم المستعجلات إلى طريق الهجرة… حكاية إنسان يبحث عن الكرامة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت، بل اسألوا الرياح التي دفعتها إلى الرحيل. فالهجرة ليست نزوة، ولا مغامرة عابرة، بل هي في كثير من الأحيان آخر الحلول أمام إنسان أنهكته الظروف، وضاقت أمامه سبل العيش الكريم.

كم من شاب غادر وطنه وهو يحمل في قلبه حنينًا لا ينطفئ، لكنه لم يجد فرصة عمل تحفظ كرامته. وكم من مريض اضطر إلى البحث عن العلاج خارج الحدود بعدما فقد الأمل في إيجاد الرعاية التي يحتاجها. وكم من كفاءة علمية ومهنية اختارت الرحيل لأنها لم تجد بيئة تُقدّر اجتهادها وتفتح لها آفاق الإبداع.

إن الإنسان لا يترك وطنه بسهولة. فالوطن ليس مجرد قطعة أرض، بل هو ذكريات وهوية وعائلة وانتماء. لذلك، فإن قرار الهجرة غالبًا ما يكون مؤلمًا، تتداخل فيه مشاعر الخوف والأمل، والحزن والطموح. ومن الظلم اختزال المهاجر في صورة الباحث عن الرفاهية، بينما كثيرون منهم يبحثون فقط عن حق طبيعي: أن يعيشوا بكرامة.

ولعل أقسى اختبار لقيمة الإنسان داخل أي مجتمع هو ما يحدث في المرافق العمومية، وخاصة في أقسام المستعجلات بالمستشفيات. هناك تتجلى الحقيقة بعيدًا عن الشعارات؛ مريض يتألم، وأسرة تنتظر، وأطر صحية تعمل تحت ضغط كبير، وإمكانات قد لا تواكب حجم الحاجة. إنها لحظات تكشف أن كرامة الإنسان لا تُقاس بالكلمات، بل بجودة الخدمات، وسرعة الاستجابة، واحترام حقه في العلاج والرعاية.

ولا يقتصر الأمر على الصحة وحدها، بل يمتد إلى التعليم، والتشغيل، والإدارة، والعدالة، وكل ما يجعل المواطن يشعر بأنه شريك في وطنه، لا مجرد رقم في سجلاته. فالأوطان القوية لا تُقاس بما تملكه من ثروات فقط، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان، واحتضان طاقاته، ومنحه الأمل في مستقبل أفضل.

إن معالجة أسباب الهجرة تبدأ بإصلاح الظروف التي تدفع إليها، لا بإدانة من اختار الرحيل. فكل فرصة عمل تُخلق، وكل مدرسة تتحسن، وكل مستشفى يرتقي بخدماته، وكل إدارة تحترم المواطن، هي خطوة نحو وطن يختار أبناؤه البقاء فيه عن اقتناع، لا عن اضطرار.

فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يبحث عن المستحيل، بل يبحث عن حياة يشعر فيها بالأمان، والعدالة، والاحترام. وعندما يجد هذه القيم في وطنه، يصبح الانتماء قوة دافعة للبناء، لا دافعًا للرحيل.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

التعليقات مغلقة.