من حلم العودة إلى حلم الرحيل.. كيف تغيرت نظرة الشباب المغربي إلى الوطن؟
بقلم : د: احمد الشهبوني
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان السفر إلى أوروبا بالنسبة لآلاف الطلبة المغاربة وسيلة لاكتساب العلم والخبرة، وليس مشروعًا للهجرة الدائمة. فقد استفاد عدد كبير منهم من منح دراسية لمتابعة تعليمهم العالي، خاصة في فرنسا وبلجيكا، وكان الهدف الأسمى هو العودة إلى المغرب للمساهمة في بناء الوطن.
آنذاك، كان الطالب المغربي يسافر بجواز سفره دون تعقيدات التأشيرة، ويتنقل بحرية بين الدول الأوروبية. ورغم ما كانت تفرضه رحلات القطار الطويلة من مشقة، وما كان يرافقها أحيانًا من مخاوف تتعلق بسرقة الأمتعة، فإن حلم العودة إلى المغرب ظل حاضرًا بقوة في وجدان معظم الطلبة.
وكانت العودة تحمل معها الأمل في مستقبل مهني واضح، إذ كان العديد من خريجي الجامعات يجدون فرص عمل في وقت وجيز بعد التخرج، مما عزز الثقة في الوطن وشجع الكفاءات على العودة والاستقرار.
أما اليوم، فقد تبدلت الصورة بشكل لافت. فشريحة واسعة من الشباب أصبحت ترى في الهجرة طوق نجاة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر. ولم يعد السفر مجرد محطة للتكوين، بل تحول لدى كثيرين إلى حلم بالاستقرار خارج البلاد، نتيجة عوامل متداخلة، أبرزها صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وتراجع الإحساس بتكافؤ الفرص، وارتفاع كلفة المعيشة، إضافة إلى تطلع الشباب إلى آفاق أوسع لتحقيق ذواتهم.
إن المقارنة بين الأمس واليوم ليست دعوة إلى الحنين فقط، بل مناسبة لطرح سؤال جوهري: كيف يمكن استعادة ثقة الشباب في وطنهم؟ وكيف نجعل المغرب فضاءً يحتضن طموحاتهم، بدل أن يدفعهم إلى البحث عن مستقبل في أماكن أخرى؟
يبقى هذا النقاش مسؤولية جماعية، بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو التقليل من معاناة الشباب، لأن فهم الأسباب الحقيقية هو الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول تعيد للوطن قدرته على احتضان أبنائه، كما كان في فترات مضت. :::

