من «تسعة رهط» إلى «حزب الفساد».. الفساد قديم ومواجهته مسؤولية لا تنتهي

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

حين نتحدث عن الفساد، قد يبدو وكأنه ظاهرة مرتبطة بعصرنا الحديث، بالانتخابات والمال والنفوذ وتضارب المصالح. لكن القرآن الكريم يقدم لنا صورة أعمق تؤكد أن الإفساد في الأرض ليس ظاهرة وليدة اليوم، وأن الصراع بين الإصلاح والفساد ممتد منذ أزمنة بعيدة.

ومن أبرز الأمثلة ما جاء في قصة قوم ثمود، قوم نبي الله صالح عليه السلام، حيث قال تعالى في سورة النمل:

﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾

لم يكونوا مجرد أفراد عابرين، بل تصفهم الآية بأنهم «تسعة رهط» ارتبط وجودهم بالإفساد في الأرض ورفض الإصلاح. وقد تحوّل نفوذهم وقوتهم إلى وسيلة لمواجهة دعوة الإصلاح والتآمر على نبي الله صالح عليه السلام.

وهنا تكمن العبرة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

فالفساد لا يتغير جوهره بتغير العصور؛ قد تتبدل الأدوات، وتتغير الأسماء ووسائل الوصول إلى النفوذ، لكن عندما تتحول القوة والمال والمصلحة الخاصة إلى أدوات لإضعاف الصالح العام وإعاقة الإصلاح، فإن الظاهرة في جوهرها واحدة.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى ما يُسمّى اليوم، مجازًا، «حزب الفساد». وهو ليس حزبًا سياسيًا بالمعنى القانوني، ولا تنظيمًا محددًا، بل وصف لكل سلوك يجعل المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة، ويستعمل المال أو النفوذ أو العلاقات أو الموقع لتحقيق مكاسب على حساب القانون والعدالة.

وقد يظهر هذا السلوك في أكثر من موقع وتيار، لأن الفساد لا ينتمي إلى لون سياسي واحد، بل يتسلل حيثما تضعف الرقابة وتغيب المحاسبة، ويصبح المنصب وسيلة للامتياز بدل أن يكون مسؤولية تجاه المواطنين.

والدرس الأهم في قصة «تسعة رهط» ليس في إسقاطها على أشخاص أو جهات بعينها، بل في استحضار مبدأ قرآني واضح: الصراع بين الإفساد والإصلاح سنة مستمرة، ومواجهة الفساد ليست خيارًا سياسيًا، بل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية دائمة.

وفي المغرب اليوم، تبدأ مواجهة الفساد من احترام القانون وتطبيقه على الجميع، ومحاربة شراء الأصوات واستغلال النفوذ، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، ورفض تحويل السياسة إلى وسيلة للاغتناء أو بناء شبكات مصالح.

كما تبدأ من المواطن نفسه، لأن الصوت الانتخابي أمانة، ولأن السكوت عن الفساد حين يتغلغل في القرار العام يمنحه فرصة أكبر للاستمرار والتوسع.

لقد كان «تسعة رهط» في قصة ثمود نموذجًا قرآنيًا للإفساد في الأرض، أما اليوم فإن أشكال الفساد أكثر تعقيدًا وتنوعًا، لكن المبدأ لا يتغير، كلما غابت المحاسبة اتسعت مساحة الفساد، وكلما ترسخت دولة القانون ضاقت أمامه السبل.

ولهذا، فإن المعركة ضد الفساد ليست معركة انتخابية تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل هي معركة مستمرة من أجل حماية المؤسسات، وصون المال العام، وترسيخ العدالة، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.

ويبقى سؤال فلسفي يراود الذهن: بين ما ذكره القرآن عن «تسعة رهط» يفسدون في الأرض، وما آلت إليه بعض الأحزاب السياسية اليوم، هل نحن أمام تسعة أحزاب أم تسعة أشخاص فقط يتناوبون على الإفساد في الأرض ولا يصلحون؟

فالفساد قديم قدم المجتمعات، لكن محاربته يجب أن تكون حاضرة في كل زمان. والفرق بين مجتمع يتقدم وآخر يتعثر لا يكمن في غياب الفساد، بل في قوة مؤسسات الدولة والمجتمع في مواجهته.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.