المجلس الوطني للصحافة.. بين استقلالية المهنة واختبار الثقة المؤسساتية
لا تبدو مسألة تنظيم مهنة الصحافة في المغرب مجرد ملف مهني محدود، بل ترتبط بشكل مباشر بأسئلة أوسع تتعلق بحرية التعبير، وأخلاقيات المهنة، والتعددية، واستقلالية المؤسسات المكلفة بتدبير القطاع. ومن هذا المنظور، يكتسب المجلس الوطني للصحافة أهمية خاصة، باعتباره إحدى الواجهات المؤسساتية التي يُنظر من خلالها إلى كيفية تنظيم المهنة وضمان شروط ممارستها.
ومع عودة النقاش حول مستقبل المجلس وتركيبته وطريقة تدبيره، تبرز أسئلة تتجاوز أسماء الأعضاء ونتائج الاستحقاقات المهنية، لتتعلق بطبيعة العلاقة بين التنظيم المهني واستقلالية القرار الصحفي، ومدى قدرة المؤسسة على بناء الثقة داخل الجسم الإعلامي والمجتمع.
تُعد التعددية من السمات الأساسية لأي مؤسسة مهنية تمثل قطاعاً متنوعاً في توجهاته وتجارب العاملين فيه. غير أن التعددية لا تكتسب قيمتها فقط من تعدد الحساسيات والآراء، وإنما أيضاً من وجود قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص، والشفافية، واحترام الكفاءة والاستحقاق المهني.
وفي قطاع الصحافة تحديداً، تزداد أهمية هذه المعايير بالنظر إلى طبيعة الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام في نقل الأخبار، ومراقبة الشأن العام، وفتح المجال أمام النقاش المجتمعي. ولذلك فإن استقلالية المؤسسة المهنية تظل مرتبطة بمدى قدرتها على اتخاذ قراراتها وفق مقتضيات المهنة والقانون، بعيداً عن أي تأثير يمكن أن يضعف ثقة الصحفيين فيها.
لا يرتبط نجاح المجلس الوطني للصحافة فقط بقدرته على تنظيم المهنة، وإنما كذلك بمدى مساهمته في ترسيخ أخلاقيات العمل الصحفي، ومعالجة الإشكالات المهنية، وحماية حقوق الصحفيين، والمساهمة في تطوير الممارسة الإعلامية.
ومن هنا، فإن النقاش حول المجلس ينبغي ألا يتحول إلى صراع حول المواقع أو الأسماء، بل إلى نقاش حول النموذج المؤسساتي القادر على الاستجابة للتحولات التي يعرفها قطاع الإعلام، في ظل الانتقال الرقمي وتغير عادات استهلاك الأخبار وظهور أشكال جديدة من صناعة المحتوى.
فالصحافة تواجه اليوم تحديات تتعلق بالمهنية والتحقق من المعلومات، وضغوط الاقتصاد الإعلامي، وانتشار الأخبار الزائفة، إضافة إلى التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية. وهي تحديات تجعل الحاجة إلى مؤسسة مهنية فعالة ومنفتحة على مختلف مكونات القطاع أكثر إلحاحا.
يبقى تعامل الدولة مع قطاع الصحافة جزءاً من النقاش الأوسع حول الحريات العامة والحكامة المؤسساتية. فتنظيم المهنة يحتاج إلى إطار قانوني واضح، لكنه يحتاج كذلك إلى مؤسسات مهنية قادرة على ممارسة اختصاصاتها باستقلالية وشفافية.
ولا يعني ذلك إبعاد الدولة عن مسؤولياتها القانونية والمؤسساتية، وإنما إيجاد توازن واضح بين دور السلطات العمومية في ضمان احترام القانون، ودور الهيئات المهنية في تدبير شؤون القطاع وفق قواعد المهنة وأخلاقياتها.
كما أن صورة المغرب في مجال حرية الصحافة لا تتشكل فقط من خلال النصوص القانونية، وإنما أيضاً من خلال الممارسة اليومية للمؤسسات ومدى ثقة المهنيين في آليات التنظيم والتأطير والحماية.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تضع المجلس الوطني للصحافة أمام اختبار يتجاوز الجانب الانتخابي أو التنظيمي. فالرهان الأساسي يتمثل في بناء مؤسسة يشعر الصحفي بأنها تعبر عن انشغالاته المهنية، وتحمي كرامة المهنة، وتساهم في معالجة اختلالاتها، وتتعامل مع مختلف مكونات المشهد الإعلامي وفق قواعد واضحة.
كما أن تعزيز الثقة يمر عبر الشفافية في التدبير، ووضوح المعايير، واحترام التعددية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الكفاءة المهنية مكانتها في صناعة القرار داخل المؤسسة.
إن مستقبل المجلس الوطني للصحافة سيظل مرتبطاً بقدرته على ترسيخ معادلة دقيقة تجمع بين التمثيلية والاستقلالية، وبين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية، وبين التنظيم واحترام التعددية.
فالمسألة في جوهرها لا تتعلق فقط بمن سيشغل عضوية المجلس، وإنما بنوعية المؤسسة التي يراد بناؤها، وبمدى قدرتها على اكتساب ثقة الصحفيين والمجتمع، والمساهمة في تطوير المشهد الإعلامي المغربي ضمن إطار القانون وأخلاقيات المهنة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تجربة المجلس الوطني للصحافة باعتبارها محطة مؤسساتية مهمة في مسار تنظيم الإعلام بالمغرب، ومحكاً عملياً لمدى قدرة المؤسسات المهنية على الجمع بين الاستقلالية والمسؤولية، بما يخدم حق المجتمع في إعلام مهني، متنوع وموثوق.
